مقالات في الفيزياء

الركائز الأساسية لنشأة ميكانيكا الكم

اشتهر الفيزيائي الأسطوري الحائز على جائزة نوبل ريتشارد فاينمان بحديثه في محاضرة بجامعة كورنيل “الأخبار كانت تقول إن 12 شخصًا فقط في العالم هم من يفهمون النسبية، أنا بالطبع لا أصدق ذلك، لكن يمكن أن أقول بأمان تام إنه لا أحد يفهم ميكانيكا الكم”، على الرغم من أنه قال جملته تلك على سبيل الدعابة وجذب انتباه المستمعين إلا أنه كان لا مدى صعوبتها على الفهم كمادة علمية يمكن أن تدرسها أو تتعلم عن مفاهيمها الأساسية، بل يعني أن أدوات الفيزياء الكلاسيكية لا يمكن لها تفسير عالم الكم ذا القوانين الجديدة، والتي تتنافى مع كل بديهة. وفعليا قطع العلماء شوطًا كبيرا في فهم ميكانيكا الكم. وبسبب هذا الفهم، تمكنا من تحقيق قفزات تقنية كبيرة، على سبيل المثال لا الحصر اختراع الكمبيوتر والليزر والكاميرات الرقمية ومحطات الطاقة النووية. بدون فهم صحيح لميكانيكا الكم، هل كان بإمكاننا حتى أن نحلم بالتحكم في شيء لا يمكن التنبؤ به مثل الطاقة النووية؟

الركائز الأساسية لنشأة ميكانيكا الكم

بداية دعنا نقول أن ميكانيكا الكم هي جزء من الفيزياء الحديثة والتي تهتم بدراسة سلوك المادة والضوء على المستوى الذري ودون الذري أي على مقياس النانومتر (1×10-9 متر) حيث ان كل ما يتعلق بخواص وسلوك الجسيمات الذرية لا يمكن وصفها بمعادلات الميكانيكا الكلاسيكية. من أجل فهم أعمق لميكانيكا الكم، دعنا أولاً نلقي نظرة على الركائز الأساسية الثلاثة التي تُبنى عليها ميكانيكا الكم.

اعلانات جوجل

الركائز الأساسية الثلاثة

تطور علم ميكانيكا الكم ببطء على مدى عقود عديدة. بدأت أصولها بمجموعة من التفسيرات الرياضية المثيرة للجدل لتجارب وظواهر لم تتناسب مع إمكانيات شرح الميكانيكا الكلاسيكية القديمة. في القرن العشرين، في نفس الوقت تقريبًا الذي نشر فيه ألبرت أينشتاين نظريته النسبية، والتي أحدثت ثورة رياضية منفصلة في عالم الفيزياء فيما يتعلق بحركة الأشياء بسرعات عالية جدًا، (السرعات العالية هي تلك التي تقترب من سرعة الضوء). على عكس نظرية النسبية، لا يمكن أن تُنسب نشأة ميكانيكا الكم إلى شخص واحد. لقد نشأت ميكانيكا الكم على يد العديد من العلماء الذين وضعوا الركائز الأساسية الثلاثة لها.

أول هذه المبادئ هو الخواص المكممة “quantized properties”. تعطي الخواص المكممة للموضع والسرعة واللون والخصائص الأخرى للجسيم التي يمكن أن تحدث في بعض الأحيان فقط في صورة كمات وحالات محددة. كان هذا الأمر مختلفًا تمامًا عن فكرة الميكانيكا الكلاسيكية في ذلك الوقت، والتي قالت إن مثل هذه الخصائص يجب أن توجد في صورة توزيع مستمر ومتواصل. كان هذا شيئًا بالنسبة للعلماء في ذلك الوقت أمرا فريدا، وسرعان ما صاغوا مصطلح الجسيمات المكممة “quantized particles”. أما الركيزة الثانية في هذا المجال كانت الطبيعة الجسيمية للضوء “particles of light”. لقد قوبلت فكرة أن الضوء يمكن أن يكون جسيمًا في البداية بانتقاد هائل، لأنها تتعارض مع الفكر الراسخ بأن الضوء يتصرف على شكل موجات، والذي خلص إليه العلماء بعد تجارب عديدة استمرت لما يقارب 200 عام جميع هذه التجارب أثبتت فيها الطبيعة الموجية للضوء. أما الركيزة الأساسية الثالثة التي بنيت عليها ميكانيكا الكم فقد كانت الطبيعة الموجية للمادة “waves of matter”. سواء كان بإمكانك أن تتخيل الخواص موجية للجسيمات ام لا! إلا ان التجارب العملية أثبتت أن المادة تظهر أيضًا خصائص مشابه للخواص الموجية. مرة أخرى، كانت هذه مفاجأة لمعظم الناس، حيث كان هذا مخالفًا لجميع التجارب العلمية على مدار 30 عاما جميعها اعتبرت وتعاملت مع المادة على أن لها سلوك جسيمي فقط، مثل الإلكترون والبروتون وغيره. الآن، دعونا نلقي نظرة على هذه الركائز الثلاث لميكانيكا الكم بمزيد من التفصيل.

الخواص المكممة Quantized properties

الركائز الأساسية لنشأة ميكانيكا الكم

في عام 1900، أراد الفيزيائي الألماني ماكس بلانك شرح توزيع طيف الجسم الأسود وهو الوهج المنبعث من الأجسام الساخنة كدالة في الطول الموجي. نجح بلانك في التوصل إلى صيغة رياضية تشرح توزيع الألوان رياضيًا، وبتفسير المعنى الفيزيائي للصيغة الرياضية توصل إلى أن الطيف المنبعث من الجسم الأسود مكمم. بمعنى ان هناك ألوان محددة فقط هي التي تصدر عن الجسم الأسود. وهذا أمر غير متوقع لان الضوء كان يفهم على أنه موجة وان كل الألوان يجب أن تكون في صورة طيف مستمر.

الركائز الأساسية لنشأة ميكانيكا الكم

كان هذا غير متوقع حتى بالنسبة إلى بلانك، مما دفعه على اعتبار أن مبدأ التكميم ما هو إلا محاولة رياضية ليس لها مدلول فيزيائي. كما أن معادلة بلانك احتوت أيضا على ثابت مهم جدا الآن وهو ما يُعرف على نطاق واسع باسم ثابت بلانك. تبين فيما بعد أن مبدأ التكميم هو أحد الأعمدة الرئيسية لميكانيكا الكم. وأصبح بمثابة الركيزة الأساسية للنظريات الأخرى في الفيزياء. استخدم أينشتاين فرضية بلانك للتكميم لشرح سبب تغير درجة حرارة مادة صلبة بكميات مختلفة إذا ما تم تزويدها ب كمية الحرارة مع تغير درجة حرارة البداية. كما استخدمها نيلز بور أيضًا لدحض النموذج الكوكبي للذرة وتمكن من إثبات نظرية الإلكترونات التي تتحرك في مدارات مكممة وتتطلب طاقة محددة للانتقال من من مدار إلى آخر.

جسيمات الضوء particles of light

الركائز الأساسية لنشأة ميكانيكا الكم

في عام 1905، كتب أينشتاين ورقة ثورية تصور فيها الضوء ليس كموجة، بل عبارة عن تدفق مستمر من حزم طاقة أو كمات من الطاقة والتي تعرف باسم كوانتا “quanta”. افترض أينشتاين أن حزمة الطاقة يمكن توليدها أو امتصاصها ككل متكامل، بواسطة إلكترون عندما ينتقل من مستوى إلى أخر. أي أن الإلكترون ينتقل من مستوى طاقة إلى مستوى أعلى فقط إذا احتوت كمات الطاقة (الضوء الساقط على المادة) على الفرق في الطاقة بين المستويين (تحدد قيمة كمات الطاقة تردد الضوء في ثابت بلانك). مع هذا النهج الفكري الجديد فيما يتعلق بتصور الجديد للضوء، قدم أينشتاين تفسيرات لتسع ظواهر مختلفة، بما في ذلك انبعاث الضوء المتغير الناتج عن سلك المصباح الكهربائي.

الركائز الأساسية لنشأة ميكانيكا الكم

اعلانات جوجل

باستخدام الطبيعة الجسيمية للضوء، أوضح أينشتاين كيف تمكنت الإلكترونات من الخروج من أسطح معادن معينة، والتي أصبحت فيما بعد التأثير الكهروضوئي. ولتفسيره لظاهرة التأثير الكهروضوئي، حصل أينشتاين على جائزة نوبل في عام 1921. وبعد عقدين فقط، في عام 1923، تأكد فرضية أينشتاين من قبل عالم يُدعى آرثر كومبتون. حيث أثبت أن تشتت الضوء بواسطة شعاع الإلكترون أدى إلى تغير في طوله الموجي (لونه) مثبتا الخاصية الجسيمية للضوء. في عصرنا اليوم، تعد الطبيعة المزدوجة للضوء – إظهار صفات الموجة والجسيمات على حد سواء – حقيقة معروفة على نطاق واسع وأصبحت أساس ميكانيك الكم.

موجات المادة ومبدأ عدم اليقين لهايزنبرغ

الركائز الأساسية لنشأة ميكانيكا الكم

لم يبدأ التفكير في أن المادة يمكن أن تكون ذات طبيعة جسيمية إلا بعد اكتشاف الإلكترون في عام 1896. بعد الدليل العملي على أن الضوء له خاصية مزدوجة، كونه موجة وجسيمًا في الوقت نفسه، كان العلماء أكثر ميلًا للتحرك نحو فكرة أن المادة يمكن أن تكون مزدوجة أيضًا. كان لويس دي برولي أول عالم إستطاع إحراز تقدم كبير في هذا الاتجاه. في عام 1924، استخدم دي برولي نظرية أينشتاين للنسبية الخاصة لإثبات أن الجسيمات تظهر طبيعة تشبه الموجة وأن الموجات تظهر طبيعة تشبه الجسيمات.

بعد ذلك، في عام 1925، قام عالمان يعملان بشكل مستقل باستخدام منهجين مختلفين للتفكير الرياضي بشرح كيف تتحرك الإلكترونات حول نواة الذرة. لقد أدى اعتماد العلماء على الميكانيكا الكلاسيكية في وصف حركة الإلكترون حول النواة إلى فشل متواصل بشكل ميؤوس منه. لقد توصل الفيزيائي الألماني فيرنر هايزنبرغ Werner Heisenberg إلى الدليل من خلال طريقة رياضية تسمى ميكانيكا المصفوفة Matrix Mechanics. كما طور الفيزيائي النمساوي الثاني، إروين شرودنغر Erwin Schrodinger، تقنية تسمى الميكانيكا الموجية wave mechanics. أثبت شرودنجر في عام 1926، أن هاتين الطريقتين متكافئتين، على الرغم من أن بعض العلماء كانوا يميلون أكثر إلى ميكانيكا المصفوفة على اعتبارها أكثر اكتمالًا. انتهى الأمر بنموذج هايزنبرغ وشرودنجر Heisenberg-Schrodinger للذرة ليحل محل نموذج رزرفورد وبور Rutherford-Bohr للذرة. كانت تكهنات النموذج الجديد هي أن الإلكترونات تتصرف مثل الموجة عندما تكون أقرب إلى النواة. في هذا النموذج من الذرة، يتبع الإلكترون خاصية دالة الموجة ويحتل مدارات ذرية محددة فقط ولها اشكال متنوعة في الفراغ، على عكس المدارات الدائرية لنموذج رزرفورد وبور Rutherford-Bohr.

في عام 1927 أيضًا، قدم هايزنبرغ Heisenberg مساهمة أخرى في عالم ميكانيكا الكم. حيث ذكر هايزنبرغ انه طالما ان المادة تسلك سلوك الموجة، فإن موضع الإلكترون وسرعته، يكملان بعضهما البعض. بمعنى أن هناك حد يصف مقدار دقة قياس كل خاصية، والذي يعرف بمبدأ عدم اليقين لهايزنبرغ. أي كلما تمكنت من مراقبة موضع الإلكترون بدقة أكبر، كلما قلت دقة قياس سرعته، والعكس صحيح.

الخلاصة

فتح مبدأ التكميم وإزدواجية الموجة والجسيم ومبدأ عدم اليقين حقبة جديدة من الميكانيكا التي تعرف باسم ميكانيكا الكم Quantum Mechanics. في عام 1927، طبق بول ديراك Paul Dirac الفهم الكمومي للموجات الكهربائية والمغناطيسية لتطوير نظرية المجال الكمومي Quantum Field Theory (QFT). عالجت نظرية المجال الكمومي جميع الجسيمات، مثل الفوتونات والإلكترونات، وتعاملت معهم على انهم حالات مثارة لمجال فيزيائي. ومع ذلك، لم يتقدم العمل أكثر بسبب وجود عقبة في نظرية المجال الكمومي QFT، حيث كانت العديد من النتائج تعطي نتائج لانهائية، والتي لم يكن لها أي معنى مادي قابل للقياس.

بعد عقد من الركود، حقق العالم هانز بيته Hans Bethe الحاصل على جائزة نوبل للفيزياء في العام 1967 عن نظريته في توليد الجسيمات النووية في النجوم، تقدمًا كبيرًا في عام 1947 باستخدام تقنية تسمى الاستبدال غير المتناهي “renormalization”. هنا، أدرك بيث أن جميع النتائج اللانهائية تتعلق بظاهرتين (تحديدًا “الطاقة الذاتية للإلكترون” و”استقطاب الفراغ”)، بحيث يمكن استخدام القيم المرصودة لكتلة الإلكترون وشحنة الإلكترون لإخفاء جميع اللانهائيات. منذ هذا الانجاز، تمكنت نظرية المجال الكمومي QFT من تقديم التفسير التأسيسي للكهرومغناطيسية، والقوى النووية الضعيفة، والقوة النووية القوية، وحتى الجاذبية! كانت الرؤية الأولى التي قدمتها نظرية QFT عبارة عن وصف كمي للكهرومغناطيسية من خلال “الديناميكا الكهربية الكمية” quantum electrodynamics والتي تختصر بـ (QED)، والتي قطعت خطوات كبيرة في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن الماضي. جاء بعد ذلك وصف كمي للقوة النووية الضعيفة، والتي تم توحيدها مع الكهرومغناطيسية لبناء “نظرية الكهروضعيفة” electroweak theory والتي تختصر بـ (EWT) في الستينيات. أخيرًا، ظهرت المعالجة الكمومية للقوة النووية القوية باستخدام “الديناميكا اللونية الكمومية” quantum chromodynamics والتي تختصر بـ (QCD) في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. تشكل نظريات QED وEWT وQCD معًا أساس النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات. لكن لسوء الحظ، لم ينتج عن نظرية المجال الكمومي QFT حتى الآن نظرية كمومية للجاذبية. الا أن الدراسات والأبحاث لا زالت مستمرة حتى يومنا هذا لتطوير نظرية كمومية للجاذبية من خلال نظرية الأوتار string theory والجاذبية الكمومية الحلقية loop quantum gravity.

اعلانات جوجل

يقول نيلز بور “من لم تصدمه ميكانيكا الكم فإنه لم يفهمها بعد”

الدكتور حازم فلاح سكيك

د. حازم فلاح سكيك استاذ الفيزياء المشارك في قسم الفيزياء في جامعة الازهر – غزة | مؤسس شبكة الفيزياء التعليمية | واكاديمية الفيزياء للتعليم الالكتروني | ومنتدى الفيزياء التعليمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى