مقالاتمواضيع العدد ٥

القوى الأربع

القوى الأربع

رغم ما يبدو من أن الطبيعة تنطوي في الحياة اليومية على تشكيلة كبيرة من أنواع القوى، يمكن في حقيقة الأمر إرجاع أية قوة إلى إحدى قوى عددها أربع فقط. أكثر هذه القوى شيوعا هي الثقالة، وقد كانت أول قوة حظيت بنظرية منهجيه على يدي نيوتن *. والثقالة وحدها قوة عالمية شاملة، أي إنها تفعل فعلها بين كل الجسيمات بدون استثناء. ومنبع الثقالة كتلة الجسيم مهما كان شأنه. فالثقالة إذن قوة تتراكم فتشتد كلما ازدادت كتلة منابعها، وهي باستثناء ظروف دخيلة، تجاذبية دوما

يقال إن الثقالة قوة ذات “مدى طويل” لأنها لا تستطيع أن تفعل فعلها على مسافات محسوسة – في المدى الكوني واقعيا. وسبب ذلك أن شدتها تتناقض بازدياد المسافة تناقصا بطيئا نسبيا – وبدقيق العبارة تتناقض متناسبة مع مقلوب مربع المسافة لدى ازديادها. فالقوة الثقالية بين إلكترون وبروتون، مثلا أضعف من القوه الكهربائية بينهما قرابة 10^40 ( 10 أس 40 ) مرة. ولهذا السبب لا يبدو أن الثقالة تؤدي دورا مباشرا يُذكر في فيزياء الجسيمات دون الذرية. لكنها على كل حال واحدة من القوى الأساسية الأربع في الطبيعة ولابد من تدبير مكان لها في أية نظرية توحد في هذا القوى كلها.

اعلانات جوجل

إن في الفيزياء مفهوما هاما في توصيف القوى كلها هو مفهوم الحقل.كان نيوتن يفهم الثقالة بأنها “فعل عن بعد” أي بتعبير أوضح أن الفعل الثقالي للجسيم يؤثر مباشرة في جسيم آخر قافزا فوق المسافة بينهما. لكن الفيزياء الحديثة ترى أن كل جسيم منبع حقل قوة – حقل ثقالي بصددها ما نحن فيه – يحيط بالجسيم، والجسيم الآخر يعاني من جراء وجوده في هذا الحقل، قوة متناسبة مع شدة الحقل في النقطة التي هو فيها. ويعزى تناقص شدة الثقالة بازدياد المسافة إلى تضاؤل الحقل تدريجيا لدى الابتعاد عن منبعه.

وفي عام 1915 استبدل أينشتاين بنظرية نيوتن الثقالية نظرية النسبية العامة وفي هذه النظرية الحقل الثقالي يفسر بتشوه الزمكان أو انحنائه أي إنه مفعول من طبيعة هندسية صافية. وهذا التفسير يعزل الثقالة عن القوى الثلاث الأخرى.

وفي المحل الثاني، بعد نظرية نيوتن الثقالية، ظهرت القوة الكهرطيسية التي حظيت بأساس نظري. فقد دُرست القوتان الكهربائية والمغناطيسية، في التجارب المخبرية بوضوح وكانتا مغروفتين من القديم. لكن الرابطة البنيوية بين الكهرباء والمغناطيسية لم تُكتشف إلا في القرن التاسع عشر بفضل أعمال فارادي وسواه. عندئذ نجح مكسويل في صوغ مجموعة معادلات وحدت الاثنين في نظرية “كهرطيسية” واحدة فخطا بذلك أول خطوة على طريق نظرية توحد قوى الطبيعة.

إن منبع الحقل الكهرطيسي هو الشحنة الكهربائية. لكن الجسيمات ليست كلها ذات شحنة كهربائية “فالقوة الكهرطيسية” بخلاف الثقالة ليست قوة عالمية لكنها تشبه الثقالة في طول مداها – القوتان، الكهربائية والمغناطيسية، تخضعان كالقوة الثقالية لقانون التربيع العكسي. بيد أن القوة الكهرطيسية كما ذكرنا أشد بكثير جدا من الثقالة لكن وجود نوعين موجب وسالب، من الشحنات الكهربائية يجعل مفعوليهما الكهرطيسيين متفانيين عموما في الأجسام المحسوسة أي إن القوى الكهرطيسية لا تتراكم بما يزيد في شدتها بل يعدل بعضها بعضا، ولهذا السبب كانت الثقالة أحرى من القوة الكهرطيسية بالسيادة في المدى الكوني الواسع رغم التفوق الكبير المتأصل في الكهرطيسية.

أما القوتان الأساسيتان الأخريان فلا يُحس بهما في الحياة اليومية لأن مداهما لا يتعدى الأبعاد دون الذرية. أولى هاتين القوتين وتدعى النووية الشديدة مسئولة عن ترابط البروتونات والنيترونات معا في نوى الذرات، وهذه القوى تتلاشى تماما بعد مسافة من رتبة 10^-15 (10 أس سالب 15 ) مترا وقصر مداها يميزها تمييزا حادا عن القوتين، الثقالية والكهرطيسية وليست البروتونات والنيترونات وحدها هي التي تحس بالقوة الشديدة، بل الهدرونات كلها. لكن اللبتونات لا تشعر بها.

إن شكل القوة بين الهدرونات معقد جدا، لأن كل الهدرونات ليست جسيمات أولية (عنصرية) بل مجموعات كواركات وأن القوة بين الكواركات هي التفاعل الأساسي. وهذه القوة تشبه، في جوهرها، القوة الكهرطيسية رغم أنها أشد منها بكثير. وهذا التعقيد ناشئ عن أن القوة الشديدة بخلاف القوة الكهرطيسية التي هي بين جسيمين مسئولة عن تماسك ثلاثة كواركات معا في الباريونات. وهذا يتطلب معالجة أكثر تعقيدا لمفهوم الشحنة. فبدلا من النوع الواحد للتفاعل بين الشحنات الكهربائية يوجد هنا ثلاثة أنواع من الشحنات من أجل القوة الشديدة. وهذه المنابع المعروفة باسم الألوان أعطيت الألقاب الاعتباطية حمراء، خضراء، زرقاء.أما آخر القوى الأساسية الأربع فمعروفة باسم الضعيفة. إنها تؤثر في الكواركات واللبتونات جميعا، وبشده أضعف من الكهرطيسية، لكنها أشد بكثير من الثقالة.وتتجلى القوة الضعيفة رئيسيا من خلال تدخلها في التحولات الجسيمية أكثر من ظهورها كقوة جاذبة أو دافعه مباشرة.

لقد طُرحت هذه القوة في البدء لتغيير التفكك البيتاوي وهو ضرب من النشاط الإشعاعي تبديه بعض النوى الذرية القلقة. ونموذج هذا النشاط تحول النترون إلى بروتون وإلكترون ونترينو مضاد. وهذه العملية التي تقودها القوة الضعيفة تتمثل بتغير نكهة الكوارك ففي حال النترون مثلا يتحول أحد كواركية السفليين إلى كوارك علوي.والقوة الضعيفة قادرة على تغيير نكهة الكواركات واللبتونات كليهما. ففي حالة اللبتونات يمكن للإلكترون أن يتحول إلى نترينو وهكذا!

لا تخضع النترينوهات إلا للقوة الضعيفة (بالإضافة إلى الثقاله طبعا) وعلى هذا فهي زاهدة جدا في التفاعل، ومعروف أن النترينو يستطيع أن يقطع عدة سنين ضوئية في رصاص صلب قبل أن يتوقف، ومع ذلك يمكن اصطياد نترينوهات كثيرة من الاندفاعات الغزيرة التي تصدر عن الكوارث التي تطرأ على النجوم وهي في النزع الأخير قبل الموت ففي كل واحدة من مجرات هذا الكون ينفجر نجم كل بضعة عقود من السنين فيما يعرف بمستعر فائق (السوبرنوفا) وفي القرون الماضية شهد سكان الأرض عدة انفجارات من هذا القبيل وقد رئي آخرها سديم ماجلان (وهي مجرة صغيره قريبه منا) في ربيع عام 1987 وكان واضحا من الأرض.

يبدأ المستعر الفائق بارتصاص انهياري مفاجئ سريع لقلب النجم تحت وطأة ثقله. وفي أثناء الانفجار نحو الداخل تنشأ نفثة غزيرة من النترينوهات وتكون كثافة المادة النجمية هائلة لدرجة أن هذه الجسيمات – مع أنها شبحية – تستطيع التأثير بشده تكفي لنسف غلاف النجم الخارجي للفضاء، مولدة بذلك طبقة متوسعة من الغاز المضيء وفي أكثر الأرصاد إثارة في العقد الأخير تم اكتشاف نفثة نترينوهات المستعر الفائق المذكر عند سطح الأرض قبل ظهور نوره ببضع ساعات.

اعلانات جوجل

إن مدى القوة الضعيفة قصير لدرجة بالغة. فعندما اتضحت هذه القوة أول مرة كان الاعتقاد أن التفاعلات شبه نقطية لكن المعروف اليوم ان مداها لا يتعدى قرابة 10-17.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى