مقالاتمواضيع العدد ٢

هوكينج يتراجع: الثقوب السوداء ….ليست ” سوداء

هوكينج يتراجع: الثقوب السوداء ....ليست " سوداء

ما هو الثقب الأسود؟ حتى وقت قريب كان التعريف المتوافق عليه بين العلماء أن الثقب الأسود هو “منطقة في المكان ـ الزمان لا يستطيع أي شيء أن يهرب منها، ولا حتى الضوء.. لأن الجاذبية عندها قوية جدا. والثقب الأسود هو بقية منضغطة لنجم ميت أي أنه يتشكل عندما ينفد الوقود النووي لنجم ما فينهار على نفسه بفعل جاذبيته بحيث تصبح كثافته لا متناهية وانحناء الزمكان ـــ المكان ـ الزمان ـــ لا متناهي.. وهو ما يعرف بالمفردة (singularity). وكانت أهم النظريات التي تتناول هذا الثقب هي تلك التي وضعها عالم الفيزياء البريطاني د. ستيفين هوكينج قبل ثلاثين سنة والتي تقول بأن أي شيء يبتلعه هذا الثقب يختفي داخله إلى الأبد.. حتى يختفي الثقب الأسود مع فقدانه لكتلته نتيجة بث الجسيمات والأشعة، وفي هذه الحالة تدخل الأشياء التي هوت داخله إلى كون ـ طفل (baby-universe) خاص بها. وهو كون مستقل بذاته يتفرع من كوننا.

وبناء على هذه النظرية ذهب كتاب روايات الخيال العلمي إلى حد القول بأن الثقوب السوداء ربما شكلت وسيلة للسفر في الفضاء حيث يمكن لمن يسقط في ثقب صغير في الزمكان أن يخرج منه إلى منطقة أخرى في الكون.

اعلانات جوجل

غير أن هوكينج ارتد على نظريته هذه في المؤتمر السابع عشر حول نظرية النسبية الذي عقد في العاصمة الايرلندية دبلن في يونيو 2005.

وأعلن هوكينج أمام علماء الفيزياء أن الثقوب السوداء لا تمحو المعلومات حول الأشياء التي تهوي داخلها إنما تشوهها. ويمكن لهذه المعلومات أن تفلت منها لتصل إلينا بشكل مشوه لكنه قادر على إنبائنا عن شكل ذلك الشيء الذي دخل الثقب.

ويأتي هذا الإعلان ليحل التناقض الذي واجهه العلماء و هوكينج نفسه نتيجة لنظريته ويطرح السؤال حول ما إذا كانت هذه الثقوب فعلا “سوداء”.

فهوكينج أثبت في عام 1970 بحسب نظرية النسبية أن الثقوب السوداء تفقد من كتلتها نتيجة إطلاق أشعة تسمى ” أشعة هوكينج” إلى أن تختفي (أي الثقوب). لكن ذلك يتناقض مع قوانين الفيزياء الكمومية (quantum physics) التي تنص على أن المعلومات التي تهوي داخل ثقب أسود لا يمكنها أن تمحى تماما.

هذا التناقض كان هوكينج قد حاول تفسيره بأن الطبيعة الفوضوية ” لأشعة هوكينج” تعني أنه في الوقت الذي تتمكن الطاقة فيه من الهرب من الثقب فإن المعلومات تعجز عن ذلك. كما يمكن تطبيق قوانين الميكانيكا الكمومية عند حقل ضخم من الجاذبية كحال الثقب الأسود.

وتوصل هوكينج إلى النتيجة التي غيرت نظريته من خلال دراسة مصير الثقوب السوداء بأشكال وأحجام مختلفة عند نقطة الوقت اللامتناهية. وبين أن كمية المعلومات في النهاية مساوية لتلك التي كانت موجودة في البداية. لكنه لم يفسر أي شيء حول ما حصل في المرحلة الوسطى بين الحالتين.

وبعودته عن نظريته القديمة ينضم هوكينج إلى حركة علمية واسعة تحاول إعادة النظر في القوانين التي يعتقد أنها تحكم الثقوب السوداء. ويعود الفضل في تحريكها إلى نظرية ” الأوتار الفائقة” (string theories super) إحدى النظريات التي تحاول التوفيق بين النسبية العامة وميكانيكا الكم.

وبحسب هذه النظرية فإن كل الجسيمات الأولية المعروفة قد تكون مكونة من أنشوطات متذبذبة في الزمكان من عشرة أبعاد وتعرف بالأوتار الفائقة. وفي حين يحمل نوع من الأوتار قوة الجاذبية فإن حركة ذبذبة هذه الأوتار تبقى عشوائية بما يتوافق مع ميكانيكا الكم. وقد بدأ تطبيق النظرية فعليا على الثقوب السوداء في منتصف التسعينات من القرن الماضي.

وخلال السنة الماضية حاول سمير مطور وزملاؤه في جامعة أوهايو أن يكتشفوا الشكل الذي تنتظم فيه هذه الأوتار داخل الثقب الأسود فوجدوا أنها تتواصل بينها لتشكل وترا أكبر وأكثر تأرجحا مما يجعله أكبر من مفردة بحجم النقطة. وهو ما أطلقوا عليه ” كرة الزغب” (fuzzball ) أو ” النجوم الوترية” (stringy stars)

اعلانات جوجل

وبحساب حجم مجموعة من هذه الكرات وجدوا أنها بالحجم نفسه لأفق الحدث أو حد الثقب الأسود. وهو ما دفعهم للقول بأن الشكل نفسه المتخيل للثقب الأسود، بكونه ثقبا مستديرا يحتوي نقطة سوداء في وسطه. غير صحيح أيضا.

كما أن صورة “كرة الزغب” هذه تعني أيضا أن المعلومات لا تدمر داخل الثقب الأسود بل هي تحفظ في الأوتار لتدمغ أشعة هوكينج المنبعثة من الثقب. وبالتالي فإن المعلومات حول كل جسيمة تدخل الثقب ستعود وتخرج مع خروج أشعة هوكينج.

وكان عالمان آخران هما غاري هوروفيتز من جامعة كاليفورنيا وخوان مالداسينا من معهد الدراسات المعمقة في برينستون تحدثا أيضا عن إمكانية خروج المعلومات من الثقب الأسود. بالرغم من وجود مفردة في داخله، وذلك باستخدام نظرية الانتقال عن بعد (quantum teleportation) ويسمح ذلك لحالة أي جسيم أن تنتقل لحالة أخرى، أي أن المعلومات قد تتحول من جسيم يصطدم بالمفردة داخل الثقب إلى أشعة هوكينج الخارجة من الثقب. غير أن هذه النظرية أنتجت أيضا تناقضات مع النظرية النسبية.

كما أن أعمالا أخرى أظهرت أن المعادلات الفيزيائية تبقى صحيحة في بعض الحالات عند نقطة المفردة بما يتناقض أصلا مع الصورة التقليدية للثقب الأسود.

كل هذه الأعمال لم تفعل إلا زيادة الغموض إزاء تفسير طبيعة وآلية عمل هذه الثقوب لكنها تصب في غالبيتها باتجاه نفي الصورة التقليدية التي كان هوكينج قد ساهم في وضعها من خلال أعماله السابقة. وهي صورة يبدو اليوم أنها لم تعد مقبولة حتى لهوكينج نفسه مما يعيد البحث إلى نقطة الصفر.. نقطة ما إذا كان أصلا هناك ما يمكن تسميته الثقوب السوداء ؟؟!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Top online courses in Design
زر الذهاب إلى الأعلى