page contents
مقالات مجلة الفيزياء العصريةمواضيع العدد ٢١

مبدأ الشك لهايزنبرغ

مبدأ الشك لهايزنبرغ




الكتلة، السرعة، الزمن، الفراغ، الطاقة هذه كانت الكلمات التي شكلت اللبنة الأولى للفضول الإنساني والذي شكل فيما بعد الفيزياء، ولطالما كانت محاولة التعرف على هذه الكميات والربط بينها المحرك الدافع للفيزيائيين على مر العصور وبالفعل، مع تقدم العلم استطاعوا الربط بينها بطرق جميلة جلبت لهم السعادة، فمثلاً، عندما أقود سيارتي يمكنني بسهولة معرفة موقعي وسرعتي، أليس هذا جميلاً!

ولكن لحظة، ليس الأمر دائماً بهذه البساطة والتلقائية، لقد تعمدت استعمال كلمة “معرفة” وليس “تحديد” لأنها وعلى ما يبدو شكلت مشكلة لواحد من أهم علماء الفيزياء في العصر الحديث وأكثرهم تأثيراً- فيرنر هايزنبرغ-، كلمة حد بشكل عام لأي شيء هي كلمة حساسة، والحد الذي شكل مشكلة هنا هو حد الدقة، فتلك القوانين الجميلة لم تعد بتلك المثالية عند تطبيقها على المستوى الذري، وكان لا بد من ادخال بعض التعديلات التي تحكم مفهومنا لقدرتنا على أخذ القياسات بدقة متناهية. في بداية الأمر لم يقبل الفيزيائيون هذا الكلام برحابة صدر، فلم يكن يرضي غرورهم أن تخبرهم باستحالة أخذ قياسات دقيقة وأن كل الكميات المقاسة تؤخذ فقط بشكل إحصائي ولكن مع ظهور العديد من الظواهر التي تحتاج لإعادة تفكير اضطروا في النهاية لقبوله كونه التفسير الأكثر منطقية.

مبدأ الشك لهايزنبرغقبل الدخول في التعقيدات المجهرية لمبدأ اللايقين دعونا نضع ربطاً له بعالمنا الجاهري، تخيلوا معي سفينتي فضاء متماثلتين تنطلقان من نقطة معينة وهناك مراقب يقيس سرعة السفينتين بناءً على عداد السرعة الموجود داخلهما.

بعد أن تحركت السفينتين مسافة 2000 كم كانت سرعة كلا السفينتين 1500كم/س، ولكن بعد أن تحركت السفينتين مسافة 2000 أخرى وجد أن سرعة السفينة الأولى 1500كم/س والسفينة الثانية 1500.03كم/س، ما الذي حصل؟

في الحالة الأولى، كان هناك فرق صغير جداً بين سرعة السفينتين، أصغر من أن يلاحظه المراقب أو يقيسه، ولكن مع استمرار تحرك السفينتين مسافة أكبر وتوقفهما في النهاية زادت نسبة الخطأ وأصبحت – بالرغم من أنها صغيرة – ملاحظة بالنسبة له الآن. هل هذا يعي ألا يمكننا الحصول أبداً على قياس دقيق؟ يمكننا في حالة واحدة فقط، ان كان زمن القياس ما لانهاية المسافة المقطوعة ما لانهاية، ولكن هذا فعلياً غير ممكن.

مبدأ الشك لهايزنبرغوالآن تخيل أن هناك جسيما يسير بسرعة معينة وأنك تنوي تحديد موقعه في لحظة ما، وتخيل أيضا أصغر وحد زمنية يمكنك تخيلها وتكون قابلة للقياس بالنسبة لك، سوف يبدو لك الجسيم في هذه اللحظة ساكناً وأنك قد حصلت على تحديد دقيق لموقعه بنسبة 100%، ولكن للأسف هذا غير صحيح، فلكل وحدة منية صغيرة تتخيلها يوحد زمن أصغر منها، ولا يوجد ما يؤكد أن الجسيم لم يتحرك مسافة كانت أصغر من أن تلاحظها في تلك اللحظة الزمنية كما في حالة السفينتين، يمكنك تحديد موقع الجسيم بدقة 100% فقط ان كان زمن القياس صفر، ولكن في هذه الحالة لن يبقى هناك معنى للسرعة بالإضافة لأنني لن أعلم من أين أتى الجسيم والى أين سيتجه.

مبدا اللايقين هو نتيجة مباشرة لازدواجية الموجة والجسيم وينص بكل بساطة على استحالة تحديد موقع وسرعة جسم بدقة متناهية في نفس الوقت (وله صيغ أخرى تتعلق بالطلقة و الزمن وغيرها)، فالمكان المحدد والسرعة المحددة كلمات لا معنى لها في ميكانيكا الكم، ولتحقيق فهم بسيط يجب علينا أولاً أن نعلم ما معنى أن تكون جسيماً و ما معنى أن تكون موجة، كونك جسيماً معناه أن لديك مكان واحد احتمالية توجدك فيه 100% وباقي الأماكن 0%، أما الموجات فهي اضطرابات يمكن معرفة خصائصها كوحدة واحدة عن طريق طولها الموجي، يمكننا معرفة اتجاه انتشار الموجة ولان لا يمكننا معرفة موقع محدد للموجة، وكما نعلم ان الطول الموجي مرتبط مباشرة بكمية التحرك الخطي حسب معادلة دي بروليه، لذلك ان كان لدي موجة يمكنني معرفة كمية تحركها، لكن ان كان لدي جسيم يمكنني معرفة موقعه لكنه لن يمتلك طول موجي.




والآن، ما الذي سنحصل عليه ان قمنا بجمع موجات لها أطوال موجية مختلفة والتركيز على موقع صغير جداً، بها نعطي الجسم فرصة امتلاك كميات تحرك مختلفة في هذه المساحة الصغيرة، وكما نلاحظ أنه بإضافة موجات جديدة فان المساحة التي يحصل بها التداخل البناء سوف تقل وبالتالي يقل عدم التأكد في الموقع، ولكن هذا ينعكس على عدم التأكد في كمية التحرك، فإضافة هذه الأمواج تزيد الفرصة في وجود قيم متعددة من كميات التحرك مما يزيد عدم التأكد في معرفته.

مبدأ الشك لهايزنبرغيمكننا باستعمال هذا المبدأ تفسير ظاهرة جميلة درسناها جميلاً، عند تسليط شعاع من الليزر نحو شق رفيع سوف يظهر الشعاع بشكل متوقع على شاشة الرصد، و عند البدء بتضييق الشق سوف يبدأ الشعاع الظاهر بالانحسار، وهذا أيضاً متوقع، ولكن ان اسمرينا بتضييق الفتحة أكثر فأكثر سوف يبدأ الشعاع الظاهر بالحيود-الذي سيظهر على أنه تمدد للبقعة الضوئية، وهذا يرجع الى أنه عند تصغير الفتحة سوف نقلل من عدم التأكد في معرفة موقع الفوتونات (بتقليل المساحة المسموح لها المرور من خلالها)، وهذا سوف يزيد من عدم التأكد في معرفة كمية تحركها وبالتالي سرعتها، سوف تتحرك الفوتونات في اتجاهات متعددة مما سيطهر على شكل هدبة مركزية مضيئة.

ميكانيكا الكم هو علم الاحتمالات، وقد تمكن العلماء من التأكد من نصف قطر ذرة هيدروجين بور لأن احتمالية تواجد الالكترون في تلك المنطقة كان أكبر احتمال. لنعد قليلاً الى نموذج رذرفورد، عندما وضع رذرفورد نموذجه الذري كان هناك بعض اللبس بسبب قوانين ماكسويل، التي تنص على أن الالكترون بما أنه جسيم مشحون سوف يبعث بإشعاع كهرومغناطيسي أثناء حركته مما يؤدي لسلوكه مسار حلزوني ووقوعه في النواة، ولكن هذا لا يحصل، وقد تمكنا باستعمال مبدأ اللايقين ايجاد تفسير بسيط ومنطقي وهو كالآتي: اذا افترضنا أن الالكترون سوف يفقد طاقته فعلا ويقترب من النواة، هذا سوف يقلل من الشك في تحديد موقعه، مما سوف يزيد في الشك في تحديد كمية تحركه وبالتالي طاقته الحركية، سوف تزيد طاقته الحركية بنسبة كبيرة بمعامل يصل الى 1010 وهذا كمية كبيرة من الطاقة لالكترون واحد ليمتلكها، أكبر بكثير من طاقة الوضع التي تحكمه، ولا توجد أي طريقة لكي يمتلك الإلكترون هذه الكمية الكبيرة من الطاقة من دون مصدر حسب قوانين حفظ الطاقة وهو أساساً يفقد طاقته.

مبدأ الشك لهايزنبرغمن الجمل التي أسمعها كثيراً أن مبدأ اللايقين هو نتيجة فقط لأخطاء القياس، وأنه مع تطور أجهزتنا سوف لن يبقى حاجة لأخذه بعين الاعتبار، وأقولكم أن هذا الكلام غير صحيح، أو بالأحرى غير كامل، ان الكون يعمل بهذه الطريقة وتتعاون معه عوامل القياس، فمثلاً ان أردت رصد الكترون سوف يؤثر الضوء المستعمل في عملية القياس كالآتي:

ان استعملت ضوء ذو تردد عالي سوف يؤثر الفوتون سرعة الالكترون بشكل كبير عندا يصطدم به، وبالتالي يؤثر بشكل كبير على الموقع الذي كان من المفترض أن أجده فيه، لكن ان استعملت فوتون ضوء ذو تردد منخفض، لن يؤثر كثيراً على سرعة وموقع الالكترون، ولكن كيف لي أن أرى الإلكترون؟ وهذه كانت احدى فوائد مبدأ اللايقين، استعماله في تطوير المجاهر الالكترونية الحديثة.

وبقي السؤال الجدير بالذكر: هل يعمل هذا المبدأ على المستوى الذري فقط؟ بالطبع لا، فكل شيء في الكون له طبيعة موجية وجسيمية ولكننا لا نلاحظ الطبيعة الموجية للأجسام في حياتنا اليومية بسبب ضخامتها النسبية وسرعاتها القليلة، وهذا يرجع الى أن ثابت بلانك رقم صغير جداً، وكما رأينا حسب معادلة دي بروليه سوف يكون الطول الموجي صغير جداً ليتم ملاحظته.

مبدأ اللايقين من أهم المبادئ التي أثرت على طريقة رؤيتي للحياة على المستوى العلمي والفلسفي، وفي النهاية الفيزياء هي قليل من الفضول وقليل من الاجتهاد والاحساس بالجمال بمقاييس أكبر وأصغر من أن يحس بها الجميع، ونظرة أخرى للكون، وأعتقد أن الكون بكل ما فيه يستحق منا هذا.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق