page contents
مقالات مجلة الفيزياء العصريةمواضيع العدد ٩

تكنولوجيا النانو: العواقب المحتملة وشدة العواقب

تكنولوجيا النانو: العواقب المحتملة وشدة العواقب




النانو عالم نجهل عنه الكثير، يقع بين مستوى المادة على هيئة ذرة لا تلمس ولا ترى، وبين مستوى المادة على هيئة كتلة مرئية وملموسة. ويمكن للنانو تكنلوجي Nanotechnology أن تقود العالم إلى ثورة صناعية جديدة، كما يرى المتفائلون. إن كلمة النانو (Nano) باللغة اليونانية تعني: (قزم)، أما علم النانو Nanoscience: فيقصد به ذلك العلم الذي يعتني بدراسة وتوصيف مواد النانو وتعيين خواصها وخصالها الكيميائية، والفيزيائية، والميكانيكية، مع دراسة الظواهر المرتبطة الناشئة عن تصغير أحجام الحبيبات.

كانت بدايات هذا العلم قبل ما يقارب خمسين عاماً حيث قام عالم الفيزياء الأمريكي الشهير البروفسور ريتشارد فينمان   Richard Feynman بإلقاء محاضرته المشهورة عام 1959م بعنوان (هنالك الكثير من الغرف بالقاع). وفينمان لم يشر إلى مصطلح تكنولوجيا النانو تحديداً في محاضرته ولكنه تنبأ بإمكانية التعامل مع الذرات بتحريكها وترتيبها. والآن أصبحت ثورة هذا العصر العلمية.

يقول البروفسور أدون توماس المتخصص في النانو: (النانو شيء مهول وذو فوائد عظيمة للبشرية في المجتمعات والاقتصاد وغيرها، فهو علم مستقل ويقع في الأهمية في موضع مواز للكهرباء والترانزستور والإنترنت والمضادات الحيوية. والعلماء بحاجة إلى فهم أوسع وأدق لعالم هذه التقنية والمجالات التي تفيد فيها أو تستخدم من خلالها). 

إن التطور السريع لتطبيقات النانو في الميادين العديدة، وما يقابله من نقص كبير في معرفة الآثار المترتبة على ذلك، يدعو إلى كثير من الحذر. فصناعة المواد متناهية الصغر صناعة سريعة النمو، سواء من حيث الحجم الإجمالي أو من حيث عدد المصنعين. ولكن المعرفة بالمخاطر الصحية والبيئية المحتملة لتكنولوجيا النانو تكاد تكون نادرة. هذا ينطبق أيضا على كيفية تأثيرها على الإنسان الذي لا شك في أنه سيكون أكثر عرضة للمواد متناهية الصغر.

وعلى الرغم من وجود أدلة كافية تشير إلى أن تطوير واستخدام المواد متناهية الصغر يجلب المخاطر على الصحة والبيئة. إلا أن الدراسات في هذا المجال ما زالت ضئيلة للغاية. فالتطور السريع في تكنولوجيا النانو يقابله للأسف نقص كبير في المعلومات عن مدى مخاطر استخدامها. ومن نتائج الاختبارات المبدئية لتأثير مواد النانو على الحيوانات تشير إلى أن استنشاق الجسيمات النانوية يفتك بالحيوان وهذا يدل ـ مما لا يدع للشك ـ على أثارها الضارة على صحة الإنسان.

الحاجة الماسة لمزيد من الأبحاث حول مخاطر النانو

ليس هناك ما يكفي من المعلومات حول التأثيرات البيئية للمواد النانوية، وتأثيرات امتصتها من قبل الكائنات الحية، وتأثير تراكمها داخل جسم الكائن الحي. علاوة على ذلك، فان تطوير أساليب للكشف عن المواد النانوية في البيئة سيكون تحدياً فنياً كبيراً. ومن المرجح أن يكون الجهاز التنفسي أهم طرق التعرض للمواد متناهية الصغر، وقد تم البحث بشكل رئيسي في هذا المجال.

فقد أجريت تجربة في جامعة روتشيستر على فئران استنشقت جزيئات النانو وتبين فيما بعد أن جزيئات النانو استقرت في الدماغ والرئتين ما أدى إلى مضاعفات صحية خطيرة. ووجد أن جزيئات النانو ستكون قادرة على الانتشار إلى أجزاء أخرى من الجسم. ومع ذلك، فإن المعرفة حول الآثار الضارة لذلك محدودة جداً. كما تم دراسة تأثير الجزيئات النانوية على الشعب الهوائية، والعوامل التي تؤثر عليها في نهاية المطاف مثل خصائص الجزيئات (تكوينها وحجمها وقابليتها للذوبان)، وتأثير تكوين الشعب الهوائية عليها وتأثير الفروق الفردية في أنماط التنفس.  بجانب ذلك أُجريت قليل من الدراسات اعتنت بامتصاص المواد متناهية الصغر عبر القناة الهضمية، وتبين هذه الدراسات أن أكثر المواد متناهية الصغر التي يتم دخولها في الجهاز الهضمي، تختفي سريعا من هناك. بالإضافة إلى دراسات أخرى اهتمت بامتصاص المواد النانوية عبر الجلد ـ الذي قد يكون نافذة هامه لامتصاص المواد النانويه ـ ولكن الآليات الكامنة وراء ذلك ما زالت غير واضحة. فالمواد متناهية الصغر يمكنها أن تعبر الأغشية المختلفة للخلايا، وعلى سبيل المثال فقد تم العثور عليها بعد اختراقها الجلد في الميتوكوندريا ونواة الخلية. هذه المعلومات قد تكون ذات أهمية قصوى بالنسبة للسمية المواد النانوية.




دراسات أخرى تشير إلى أن بعض المواد النانوية يمكن امتصاصها من قبل الأنسجة البيولوجية، ولكن ليس من الممكن استخلاص أية استنتاجات عامة عن ميل المواد متناهية الصغر على التراكم الإحيائي فالدراسات التي أجريت تفيد أن هنالك حاجة ماسه لأدوات جديدة لفهم وتقدير حجم التعرض وتحديد الجرعات. ولكن لا توجد معلومات أيضاً حول مدى توفر هذه الأدوات في الوقت الحاضر. ويزيد الأمر تعقيداً انه لا يمكن استنباط تأثير جزيئات النانو بدراسة مواد على نطاق أوسع من المواد في حجم النانو متر. ولا يمكن وضع افتراضات عامة لجميع مواد النانو nanomatrials فيما يتعلق بكيفية التعامل معها. 

إن الامتصاص غير المقصود للمواد متناهية الصغر يمكن أن تتم عن طريق الاستنشاق، أو عبر الفم، أو من خلال الجلد. وعن طريق العين وعن طرق أخرى أيضاً يمكن أن نتصورها في المستقبل. ولاستنشاق حاليا يعتبر من أهم طريق التعرض للجسيمات الدقيقة، ومقام البحث الأول في الوقت الحاضر. وهناك عدد قليل من دراسات حول تسمم البيئية بالمواد النانوية. لذلك، فإنه ليس من الممكن استخلاص أية استنتاجات عامة بشأن ما إذا كانت المواد النانوية تشكل خطراً كبيراً على البيئة أم لا. وهناك مشكلة أساسية في التقييم تقديرات التعرض للجسيمات النانوية وهي ليست محددة بسبب نقص في المعلومات. أما الدراسات المعنية بسمية المواد متناهية الصغر محدودة نسبيا. 

تقتحم جسمك دون إذن منك

تأثير المواد النانويه على صحة الإنسان خطر كبير حيث أن جسيمات النانو قادرة على الدخول إلى جسم الإنسان بيسر شديد من خلال المسام وبدون أي مقاومه وتستطيع الانتشار داخل الجسم مما يلحق الضرر الصحي بالإنسان. فلك أن تتخيل أن جسيم بحجم 300 نانومتر يستطيع الدخول وبكل سهوله في خلايا جسم الإنسان وأن جسيم بحجم 70 نانو متر يستطيع الدخول وبكل سهوله في نواه الخلية وهذا يدل علي الخطر الكبير الذي يمكن أن يتعرض له الإنسان فقد يحدث تفاعل بين هذه الجسيمات النانويه وخلايا جسم الإنسان مما يؤدي إلى تغير خصائص الخلية أو تسميمها وموتها.

مخاطر النانو .. نظرة دولية

تعقد منظمات البيئة والصحة العالمية مؤتمرات في كافة أنحاء العالم لبحث المخاطر التي قد تنجم عن استخدام هذه التقنية وقد نظم أول اجتماع عالمي لبحث أضرار النانو تكنولوجي في بروكسل.

ونشرت منظمة Green peace العالمية مؤخراً بياناً بينت فيه أنها لن تدعو إلى الحظر على أبحاث النانو. مشيرة إلى أن الإنسان اليوم هو على أبواب عصر جديد في جميع النواحي فلا يجب الوقوف بوجه هذا التطور لكنها دعت إلى محاولة تقليص السلبيات قدر الإمكان. فجسيمات النانو لها حجم يمكنها من التسلل وراء جهاز المناعة في الجسم البشري وبإمكانها أيضاً أن تتسلل من خلال غشاء خلايا الجلد والرئة و أن بإمكانها أن تتخطى حاجز دم الدماغ. 

وأظهرت دراسة جامعة أكسفورد أن نانو جزيئات ثاني أكسيد التيتانيوم الموجود في المراهم المضادة للشمس أصابت الحمض النووي DNA للجلد بالضرر. كما أظهرت دراسة من مركز جونسون للفضاء والتابع لناسا أن أنابيب الكربون النانويه تعد أكثر ضرراً من غبار الكوارتز الذي يسبب السيليكوسيس وهو مرض مميت يحصل في أماكن العمل.

كما تبين آخر التطورات التي طرأت على تكنولوجيا النانو أنه تم تطوير جوارب تحتوي على جزيئات نانو سيلفر تمنع رائحة القدمين لكن تبين أن لها عواقب وخيمة على جسم الإنسان. فهذه الجزيئات بكتيرية وهي قادرة على قتل البكتيريا النافعة المهمة في تحطيم المواد العضوية في النفايات ومحطات المعالجة أو المزارع.

كما بين سيتون انتوني من معهد طب في ادنبره (اسكتلندا) في دراسة نشرها أخيرا أن أنابيب الكربون النانومترية التي تعد بثورة تكنولوجية غير مسبوقة قد تكون ضارة وقاتلة للكائنات الحية بما فيها الإنسان لذا يجب التعامل مع هذا العلم بحرص شديد وقد طالب باستبعاد الأغذية والزراعة من هذا التطور التكنولوجي حفاظا على البشر. فمن المعلوم انه إذا ما تم امتصاص الجزيئات النانوية عبر جذور النباتات والأشجار أو عبر الهواء فإنها ستصل حتماً إلى الإنسان والحيوان عن طريق الغذاء. وهنا تكمن الخطورة وخاصةً إذا احتوت هذه الجزيئات خلال مراحل تصنيعها على مواد ضارة. ومهما يكن من أمر فان تكنولوجيا النانو من الأهمية بمكان ولكن قبل أن نطورها فلنبحث في آثارها السالبة مما سيوفر تقنية متصالحة مع البيئة.

الوسوم

أ./ محمد هاشم البشير

باحث وكاتب من السودان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق