مقالاتمواضيع العدد ٦

مبدأ الهلوغرافيا والهلوغرام الكوني

مبدأ الهلوغرافيا والهلوغرام الكوني

في العام 1982 وفى جامعة باريس قام فريق من الباحثين بقيادة الاين اسبكت Alain Aspect بإجراء تجربة تبين فيما بعد انها واحدة من أهم التجارب في القرن العشرين. بالطبع ربما لم تسمع بهذه التجربة في نشرات الأخبار أو الصحف اليومية، وفى حقيقة ما لم تكن انت من المداومين على قراءة المجلات العلمية فبالتأكيد لم تسمع أبدا باسم الاين اسبكت ومع ذلك هناك العديد من العلميين من يعتقد بان اكتشاف الاين اسبكت ربما يغير وجه العلم إلى الأبد.  تجربة الالين ترتبط بتجربة أخرى هي تجربة EPR والتي وضعها كل من ألبرت اينشتاين وزملائه بولدلسكى وروزين وذلك لدحض ميكانيكا الكم على أساس ان مبدأ باولى الاستبعادى يتعارض مع مبادئ النظرية النسبية الخاصة.

اكتشف اسبكت وفريقه أنه تحت ظروف معينة فان الجسيمات دون الذرية مثل الإلكترونات قادرة على الاتصال فيما بينها اَنيا والتأثير على بعضها البعض بغض النظر عن المسافة التي تفصل بينها. ولا يهم ما إذا كانت المسافة الفاصلة بينها هي 1 سنتيمتر أو مليون سنة ضوئية، فالإلكترون الموضوع أمامك هنا في مكتبك يؤثر ويتأثر أنيا بالإلكترون أخر في مجرة اندروميدا مثلا.

اعلانات جوجل

على نحو ما يبدو أن كل الجسيم دائما يعرف بالضبط ما تقوم به بقية الجسيمات. المشكلة مع هذا العمل الفذ هو أنه ينتهك مبدأ أينشتاين المعمول به منذ فترة طويلة؟، أنه لا يمكن ان يحدث اتصال بين اي جسيمين بسرعة أكبر من سرعة الضوء. لأن السفر بسرعة أكبر من سرعة الضوء هو بمثابة كسر لحاجز الزمن، وهذا الاحتمال قد جعل بعض علماء الفيزياء ان يقوم بمحاولة لإيجاد طرق للتفسير بعيد عن نتائج اسبكت. لكنه في نفس الوقت قد ألهم الآخرين لتقديم إيضاحات أكثر تطرفا.

على سبيل المثال عالم الفيزياء ديفد بوم Bohm في جامعة لندن، يعتقد ان نتائج أسبكت توحي بأن الحقيقة الموضوعية لا وجود لها، وذلك على رغم مما يبدو من صلابة إلا ان الكون ما هو إلا توهم، رائع وهائل لتفاصيل صورة المجسمة عملاقة.

لكي نفهم السبب الذي جعل بوم يقدم تلك الصورة المذهلة وشديدة الغرابة، يجب على المرء أولا أن يفهم قليلا عن الهولوغرام. الهلوغرام هو صورة ثلاثية الأبعاد يتم انتاجها بواسطة أشعة الليزر.

لكي نصنع صورة مجسمة، يجب أولا ان نضع الجسم المراد تصويره في ضوء أشعة ليزر. ثم يبدأ شعاع ليزر أخر في الانعكاس من الأول وما ينجم عن ذلك هو نمط التدخل الذي يتم عرضه على فيلم.

وبمجرد ما يتم تعريض الفيلم لإشعاع ليزر آخر، سوف تظهر صورة ثلاثية الأبعاد للجسم الأصلي.

الكل في كل جزء:

وثلاثية الأبعاد لهذه الصور ليست هي السمة الوحيدة التي يتميز بها الهولوغرام. فإذا قطعنا صورة الهلوغرام لجسم ما إلى نصفين ثم قمنا بإسقاط أشعة الليزر، فإننا سوف نجد كل نصف قد احتواء على صورة الجسم كاملة، في الوقع حتى لو قسمنا النصفين إلى نصفين آخرين فان كل قصاصة من الفيلم سوف تظل دائما محتوية على نسخة صغيرة من النسخة الأصلية. وخلافا للصور الاعتيادية نجد ان كل جزء من الصورة المجسمة (الهلوغرام) يحتوي على جميع المعلومات التي تمتلكها الصورة الكاملة.

مبدأ الهلوغرافيا والهلوغرام الكوني

هذه النظرة هي التي قادت بوم لاقترح طريقة أخرى لتفسير نتائج أسبكت حيث ان بوم يعتقد ان السبب الذي يجعل الأجسام دون الذرية قادرة على الاتصال فيما بينها (بغض النظر عن المسافة التي تفصل بينها)، لا يرجع في الأساس إلى ان هذه الأجسام تتبادل فيما بينها نوعا من الإشارات الغامضة التي تسير بسرعة اكبر من سرعة الضوء، ولكن السبب هو ان المسافة التي تفصل بين هذه الجسيمات ما هي إلا وهم (غير موجود أصلا)، وهو يقول أيضا على مستوى أعمق للواقع نجد ان هذه الجسيمات دون الذرية ليست كيانات فردية، ولكن هي في الواقع امتدادا لنفس الشيء الأساسي.

اعلانات جوجل

ليعطى بوم صورة تسهل تصور ما يعنيه قام بوضع المثال التوضيحي التالي تخيل حوض ماء وبه سمكة، وتخيل أيضا انك لا تستطيع ان ترى السمكة مباشرة وكل معلوماتك عن الحوض وما يحتويه تأتى من كمرتى تلفزة (تلفزيون) وحدة تصور الحوض من الجهة الأمامية للحوض والكمرة الثانية تصور الحوض من الجهة الجانبية .وأنت عندما تنظر إلى شاشتي التلفزة ربما تفترض ان السمكة على كل شاشة تختلف عن الأخرى و لان الكمرتين تصوران من زاويتين مختلفتين فان أي صورة تختلف عن الأخرى، ولكن عندما تستمر في عملية مشاهدة السمكتين سوف يتبين لك في نهاية الأمر ان هناك علاقة بينهما، فعندما تلتف احد السمكتين تلتف الأخرى أيضا ولكن بطريقة مختلفة قليلا (لاختلاف الزاوية طبعا) فإذا واجهة أحداهما مقدمة الحوض فان الأخيرة سوف تواجه جانب الحوض.وحتى الآن إذا كنت لا تزال غير مدرك للوضع العام سوف تستنتج ان السمكتين على اتصال اَنى فإذا تحركت واحدة تتحرك الثانية في نفس اللحظة ولكن من الواضح ان الوضع الحقيقي ليس كذلك، وهذا بالضبط ما يقوله بوم لتفسير ما يحدث بين الجسيمات دون الذرية في تجربة أسبكيت. وفقا لبوم ان الصلة التي تربط الأجسام دون الذرية بسرعة ظاهرية اكبر من سرعة الضوء تدل على هناك مستوى عميق للحقيقة لم ندركه.أي بعد أكثر تعقيدا يتجاوز منطقنا وهو مماثل تماما لحوض السمك ثم يضيف بوم بقوله إننا ننظر إلى الأجسام كالجسيمات دون الذرية كأنها منفصلة تماما عن بعضها البعض وذلك لأننا لا نرى إلا جانب من حقيقتها (تذكر إننا نرى السمكة فقط من شاشتي التلفزة لذلك اعتبرنا ان هناك اتصال يربط بين سمكتين مختلفتين)، وهذه الجسيمات ليست مستقلة عن بعضها البعض ولكن هي في أخر المطاف عبارة عن تجسيد لوحدة عميقة مثل الهلوغرام الغير قابل للتجزئة على النحو المذكور سابقا و مهما قسمنا الفيلم فان صورة كل جزء تحتوى على نسخة للصورة الكاملة.ولما كان كل شيء في الواقع الفيزيائي يتكون من هذه اليدولونات فان الكون ككل ما هو إلا إسقاط لصورة مجسمة (هلوغرامية).

بالإضافة لهذه الطبيعة شبه الوهمية، فان هكذا كون سوف يمتلك ميزات وخصائص مذهلة، لو كانت المسافة الظاهرية التي تفصل بين الجسيمات دون الذرية هي مسافة وهمية، فهذا يعنى انه عند مستوى أعمق للحقيقة ان كل الأشياء في الكون مترابطة بصورة مطلقة. فالالكترونات في ذرة كربون في العقل البشرى ترتبط مع كل الجسيمات دون الذرية في أي نجم في الفضاء السحيق ومع أي شيء أخر في الكون وكل شيء يتداخل مع كل شيء، وعلى الرغم من ان الطبيعة البشرية قد تسعى لتصنيف وتقسيم مختلف الظواهر في الكون، فان جميع هذه الأقسام التي هي بالضرورة اصطناعية (وهمية) وكل الطبيعة في نهاية المطاف عبارة عن شبكة سلسة متصلة مع بعضها البعض.

بعيدا عن الفيزياء

بوم ليس هو العالم الوحيد الذي وجد أدلة تؤكد ان الكون عبارة عن هلوغرام، حتى ان عالم جراحة المخ كارل لاشللى في سلسلة من التجارب في عشرينات القرن السابق أكد انه لا يوجد مكان معين لتخزين الذاكرة في الدماغ، حيث قام بتعليم فئران للتجارب حيل محددة، وبعدها مباشرة قام بتقطيع أجزاء مختلفة من مخ الفأر ولاحظ ان ذاكرته لا تتأثر مهما كانت تلك الأجزاء المستأصلة، ويتذكر الفأر دائما جميع الحيل التي تعلمها سابقا وهذا يذكرنا بقاعدة الكل في كل جزء التي يتمتع بها الهلوغرام. وبالفعل بعد أربعين عاما من تلك التجارب قام بريبرام بوضع تفسير لتلك الظاهرة حيث يعتقد بريبرام ان الذكريات لا تخزن في الأعصاب أو تجمعات الأعصاب الصغيرة وإنما في شكل أنماط كهربية عصبية تجوب المخ مثلما تفعل أنماط أشعة الليزر التي تجوب الفيلم في الصورة الهلوغرامية ويعتقد بريبرام ان المخ في حد نفسه عبارة عن هلوغرام. ونجد أيضا ان نظرية بريبرام تفسر لماذا يستطيع العقل البشرى تخزين كم هائل من الذكريات في مساحة صغيرة مثل المخ، حيث يقدر حجم المعلومات التي يخزنها المخ بعشرة مليار بت في متوسط عمر الإنسان.

كما ان هناك شيء أخر يشترك فيه المخ مع الهلوغرام وهو ارتباط المعلومات داخل المخ مع بعضها البعض فربما لو ذكرت لك معلومة ما فقد ترتبط عندك بصور مختلفة كثيرة جدا ولا توجد فواصل بين تلك الصور، فمثلا ان سمعة كلمة لون احمر سوف تتخيل جميع الأشياء الحمراء الورود، الدماء، الحروب العنف،المشاعر، إلى أخره من صور.

شيء غريب أخر هو ان الإنسان يستطيع معرفة مصدر الصوت من دون تحريك رأسه فأنت إذا سمعت صوتا حتى لو استخدمت أذن واحدة، تلتفت دائما وبدقة إلى جهة مصدر الصوت وقد أشار العالم هوقو زوكار بان المبدأ الهلوغرامى يستطيع تفسير هذه القدرة البشرية.

ما هو مقدار المعلومات المحتواة في غرفة محددة الحجم؟ بالطبع إذا طرح عليك هذا السؤال سوف تصف شكل الغرفة وما فيها من أشياء، ولكن هناك أشياء لا تراها داخل الغرفة! دعنا نبسط الأمر وافترض ان الغرفة خالية من الأساس ومن أي شيء ماعدا الهواء، أذن فهناك عدد ضخم جدا من جزيئات الهواء يقدر تقريبا ب جزئ وكل جزء له سرعة محددة وفى اتجاه محدد في لحظة معينة عند نقطة ما، وهكذا يوجد قدر ضخم جدا من المعلومات داخل الغرفة.

اعلانات جوجل

وإذا كنا نريد تخزين قدر أكبر من المعلومات فيجب ان نزيد الضغط داخل الغرفة ونسمح بدخول هواء إضافي فيتضاعف عدد الجزيئات وبالتالي تصبح مهمة وصف الغرفة أصعب لاحتوائه على قدر أكبر من المعلومات وتستمر عملية زيادة الضغط ويزداد عدد الجزيئات وعليه تتقارب المسافة الفاصلة بين جزيئين حتى يتحول الغاز إلى حالة السيولة ومنه إلى الحالة الصلبة وتتوقف العملية.

ولكن هناك حل أفضل يجعلنا نخزن قدر أكبر من المعلومات فإذا كان كل جزئ يحمل معلومة واحدة فإننا بتقسيمه إلى ذرات ومن ثم إلى الكترونات وانوية وحتى الانوية يمكن تهشيمها إلى بروتونات ونيوترونات أو حتى إلى كواركات وكل واحد من هذه القسيمات الصغيرة لها حركة محددة وموقع معين ووصف كمي.. الخ وهكذا نستطيع تخزين قدر ضخم جدا من المعلومات في غرفة محددة الحجم.

الآن يأتي دور النظرية الكمية هناك نظرية يحترمها الفيزيائيون النظريون جدا وهى نظرية المجال الكمي هذه النظرية تصف مجالات كمية وهذه المجالات الكمية تعرف عند نقطة محددة في الزمنكان وعليه لا يوجد أي قيد على صغر الجسيم الموصوف بذلك المجال ويمكن ان يتم تقسيم الالكترونات والكواركات إلى أجسام أدق واصغر ويستمر هذه التقسيم إلى مالا نهاية ويصبح بمقدورنا تخزين حجم لانهائي من المعلومات في غرفة محددة الحجم. ولكن هناك ثمن يجب دفعه لكي نصل إلى هذا التقسيم اللانهائي للجسيمات وهو احترام مبدأ هيزنبيرج للاحتمية والذي ينص على إننا إذا كنا نريد رؤية جسيم صغير فيجب ان نسقط عليه ضوء طوله الموجى في حدود عرض ذلك الجسيم وهكذا فان الجسيم الأصغر يحتاج إلى طول موجى اصغر وكلما قل الطول الموجى يزداد تردد الضوء الساقط وعليه تزداد الطاقة، ولكي نصل إلى تقسيم اصغر واصغر يجب بذل طاقة هائلة جدا.

وخلاصة القول ان حجم لانهائي من المعلومات يقابل طاقة لا نهائية. ولكن نعرف ان هناك حد من الطاقة المسموح بها في حيز محدد من الفضاء قبل ان يتحول ذلك الحيز إلى كتلة (تعلمنا من نسبية اينشتاين ان الكتلة والطاقة متكافئان) شديدة الجذب، تمنع أي جسم من مغادرة سطح ذلك الحيز وحتى ان سرعة الضوء لن تكون كافيه ليهرب من قوى الجذب وهذا ما نسميه بالثقب الأسود. أذن بعد مرحلة ما تتحول الغرفة إلى ثقب اسود ولن نستطيع تخزين معلومات إضافية في الغرفة دون ان نزيد حجم الغرفة وهكذا يوجد حد محدد من المعلومات التي يمكن تخزينها في حجم محدد من الفضاء.

اعلانات جوجل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى