page contents
مقالات مجلة الفيزياء العصريةمواضيع العدد ٢٣

ديراك المتواضع والمادة المضادة

ديراك المتواضع والمادة المضادة




“يبدو أنه إذا عمل أحدهم ليجد الجمال في معادلاته وكان عنده اطلاع معمّق عن الموضوع فإنه سيحقق تقدمًا بالتأكيد” (بول ديراك)

ولد ديراك عام 1902 بعد عام من مولد هايزنبرغ، وتخرج من جامعة بريستول في بريطانيا في سن الثامنة عشر كمهندس كهربائي، لكن مثله مثل أينشتاين لم يجد عمل بعد تخرجه، مكث ديراك مع والديه عاطلاً عن العمل، وحصل على إجازة في الرياضيات التطبيقية عام 1923.

كان هايزنبرغ فيزيائياً في العشرينيات من عمره يحاول إبداع نظريته الكمومية، وعندما سمع ديراك بذلك عام 1925 وبسرعة مدهشة وبدون خلفية في الفيزياء اندفع ديراك ليحقق إنجازات مدهشة في ميكانيكا الكم.

عندما بلغ ديراك السادسة والعشرين أزعجته حقيقة أن معادلة شرودنجر لم تكن نسبوية، كما أنها لم تكن صالحة إلا للسرعات الأدنى كثيراً من سرعة الضوء!، ولاحظ ديراك أن معادلة أينشتاين لم تكن دقيقة، كان اينشتاين قد تحقق من الصيغة الدقيقة لهذه المعادلة وهي (E=±mc2)، لكنه لم يعبأ بإشارة السالب لأنه كان بصدد إبداع نظرية للقوى. أما ديراك فكان بصدد نمط جديد من معادلات الإلكترون معادلة ديراك، وإذ بديراك لم يستطع إهمال إمكانية المادة ذات الطاقة السالبة. كانت إشارة السالب محيرة فعلاً لأنها بدت كأنها تتنبأ نوع جديد من المادة مختلف تماما.

وفيما يلي صورة توضيحية للهيدروجين والمضاد للذرة:

وضع الفيزيائي بول ديراك نظريته لتوصيف الجسميات الكمومية، وقد كان بذلك يدلي بدلوه محاولا إيجاد صيغة توفيقية لمعادلة (شرودنجر) الموجية بحيث تطابق في تصرفها مبادئ (النظرية النسبية الخاصة) الخاصة بأينشتاين.

تكتب معادلة ديراك بعدة طرق فيما يلي احداها:

ديراك المتواضع والمادة المضادة

وتستخدم لتفسير تصرفات الالكترونات وغيرها من الجسميات الابتدائية بطريقة تتماشي مع متطلبات كلا نظريتي الكم والنظرية النسبية الخاصة، وتتوقع هذه المعادلة وجود جسيمات مضادة وتتنبأ بطريقة ما وجوب اكتشافها تجريبيا.

واستنادا اليها فقد تم اكتشاف البوزيترون فضربت بذلك مثلا ساطعا على أهمية الرياضيات في مجال الفيزياء النظرية الحديثة.

تمثل الرموز في المعادلة السابقة مفهومها التالي:

m كتلة الالكترون الساكنة.

h ثابت بلانك.

c سرعة الضوء في الفراغ.

p- الزخم.

x,t احداثي المكان والزمان.

(ψ(x,t دالة الموجة.




α عامل التفعيل الخطي الذي يؤثر على دالة الموجة.

اكتشف ديراك ان المادة ذات الطاقة السالبة ستكون مثل المادة المألوفة ولكن بشحنة معاكسة!، فالإلكترون المضاد يمتلك شحنة موجبة ويستطيع الدوران حول بروتون مضاد سالب الشحنة مكوّناً ذرة مضادة، بحيث يمكن أن تتحد الذرات لتشكيل الجزيئات المضادة بل والكواكب والنجوم المضادة المصنوعة من هذه المادة.

تأكد وجود المادة المضادة التي تنبأ بها ديراك لدى اكتشاف الإلكترون المضاد (البوزيترون) من قبل أندرسون معهد كاليفورنيا، لاحظ أندرسون أثناء تحليله للأشعة الكونية أن أحد الإلكترونات بدا وقد سلك المسار الخطأ على إحدى اللوحات الحساسة في مجال مغناطيسي معين، هذا الإلكترون بدون أدنى شك ذو شحنة موجبة.

نال ديراك جائزة نوبل لعمله عام 1933، وبعده بثلاث سنين نال اندرسون الجائزة،تأثر هايزنبرغ بإنجازات ديراك وكتب يقول “أعتقد إن أهم وأكبر اكتشاف في حقل الجسيمات الأولية كان اكتشاف ديراك للمادة المضادة”.

تندثر المادة والمادة المضادة عند التقائهما وتخلّفان كمية هائلة من الطاقة. إن اختبار كمية كبيرة من المادة المضادة سيكون صعباً للغاية لا بل مستحيلاً وذلك لأن تماسكها مع المادة المألوفة سيؤدي إلى انفجار ذري مروع أكثر هولاً من القنبلة الهيدروجينية.

يتميز تحول المادة والمادة المضادة الي طاقة بكفاءة عالية بالمقارنة مع إطلاق الطاقة من القنبلة الهيدروجينية.

يبلغ مردود تحول المادة الي طاقة في انفجار النووي حوالي واحد بالمائة ويرتفع هذا المردود في حالة قنابل المادة المضادة في حالة تصنيعها الي مائة بالمائة.

(مهما يكن من امر، ان استخدام المادة المضادة في القنابل النووية هو امر غير عملي، في على الرغم من الامكانية النظرية لهذه القنابل الا ان تكاليفها باهظة جدا).

واليوم تجرى تجارب كثيرة على المادة المضادة، وينتج الفيزيائيون العاملون في عدد من محطمات الذرات حول العالم حزما من الالكترونات المضادة التي توجه للاصطدام بالإلكترونات العادية.

قد يكون فناء المادة والمادة المضادة مصدر طاقة كبيرة للرحلات الفضائية في المستقبل، (إذا استطاع رواد الفضاء اكتشاف كميات كبيرة من المادة المضادة في الكون).

يدهش البعض لدي قراءتهم عن المادة المضادة في ادبيات الخيال العلمي ومعرفتهم ان نظرية المادة المضادة ليست حديثة لكنها قديمة نسبيا وتعود الي سبعين سنة.

ولعل السبب في عدم شيوع معرفة المادة المضادة هو ان ديراك كان شخصا متواضعا لا يتباهى بإنجازاته الخاصة، اما صمته فكان مضرب المثل في جامعة كامبردج وقدر طلابه عدد الكلمات التي يتفوه بها بمعدل كلمة وحدة في السنة.

ونختم بقول بيتر كالسن عن ديراك في كتابه (الرمز المطموس) كما يلي:

لا جدال في ان خير من استحق لقب ورفع راية عميد فيزيائيي القرن العشرين النظريين بلا منازع هو بول ديراك، فبالرغم من خجله وشخصيته التي لا تميل الي الشهرة وعدم سطوع نجمه شعبيا كأينشتاين وبور وهايزنبرغ، فقد عرف بين فيزيائيي القرن العشرين بأنه (الانسان النظري صاحب الروح الاصفى والأسمى) وذلك لموجبات كثيرة ليس اقلها كونه لا يميل الي الثرثرة بطبيعته، قليل الاختلاط بالأخرين، شديد الحساسية والدقة في انتقاء كلماته في كل ملاحظاته، شديد الدقة في اعماله وتحركاته ولا يتدخل بشؤون الاخرين.

ولأنه كان فعلا مثل شخصية الراهب المتعبد الذي شغله تعبده في محراب الفيزياء عما سواه، فلم يلحظ عليه أي اهتمام من قريب او من بعيد باي مشاركة لا بالفن ولا بالأدب ولا الموسيقى ولا السياسة.

ويكاد يكون مثلا حتى في صداقته ومعارفه أيضا، الا انه عرف واشتهر بمعادلته الفذة التي تحمل اسمه والتي تصف الالكترون حسب المفهوم النسيي، فالواقع يحتم علينا ارجاع الفضل لديراك في إعادة هندسة نظرية الكم واكمال سقلها ووضعها في اطارها المحسوس لعلماء وفيزيائيي العالم كما ويعود له الفضل في اعداد العدة لاكتشاف الأقطاب المغناطيسية وتعميم المفهوم الرياضي للدوال وإطلاق إشارة البحث في الحقول الكمومية للديناميكا الكهربائية والتنبؤ بوجود المادة المضادة”.

الوسوم

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق