page contents
مقالات في الفيزياء

كيف تصنف الألوان

كيف تصنف الألوان




يعتقد الخبراء أنه ربما يمكننا أن نميز عددًا من الألوان يُقدر بنحو 10ملايين. يختلف كل لون من هذه الألوان عن بقية الألوان في واحد من درجاتالنقبة أو الإضاءة أو كثافة اللون أو اثنين منها أو جميعها. وتسمياتناللألوان غير مضبوطة؛ حيث إنها لا تسمح لنا أن نصف بدقة كل الألوان التينراها. ونتيجة لذلك، يجد الناس غالبًا صعوبة عندما يحاولون وصف أو تناسبلون محدد. فتناسب الألوان مهم جدًا وبالأخص في صناعات مثل صناعتي الطلاءوالنسيج. ومن مهام صانعي الطلاء أو النسيج تقليل الفروق في لون مخصوصلطلاء أو قماش من دفعة طلاء أو ثوب قماش إلى دفعة أخرى أو ثوب آخر.

وقد طوّر خبراء الألوان طرقًا وأسسًا مختلفة لتصنيف الألوان حتى يتسنى لهم التغلب على مشكلات وصف الألوان وتناسبها.

وهناك اثنان من نظم التصنيف المستخدمة على نطاق واسع هما: 1ـ نظام ميونسل لتصنيف الألوان 2ـ نظام الوكالة الدولية لمواصفات الألوان.

نظام ميونسل للألوان

نظام ميونسل لتصنيف الألوان. أحد وسائل تصنيف الألوان المفيدة والأكثررواجًا.طُوِّر هذا النظام في أوائل القرن العشرين بوساطة ألبرت ميونسل،وهو رسام ُصورٍ شخصية، أمريكي الجنسية.

ويمكن عرض نظام ميونسل بأساليب مختلفة. يَعْرِض أحد الأساليب الشائعةعينات مختلفة من الألوان مرتبة حول محور رأسي. والنُّقَب المختلفة مرتبةحول هذا المحور مثل القضبان الإشعاعية لإطار مستدير، بحيث يكَوِّن كل قضيبإشعاعي نقبة مختلفة. (القضيب الإشعاعي لإطار يشبه نصف القطر في الدائرة). ويمثل المحور تدريج القيمة، أو الإضاءة. وهو مقسم إلى عشرة أجزاء. وتمثلهذه الأجزاء مستويات للقيمة مبتدئة من الأسود بأسفل المحور وعابرة خلالظلل الرمادي ومنتهية بالأبيض بأعلى المحور. ولكل عينات الألوان الواقعةعند نفس المستوى القيمة نفسها. والألوان التي تقع بالقرب من المحور لهاكثافة لون منخفضة. وكلما كان موقع اللون أبعد من المحور كانت كثافته أكبر.

شجرة ميونسل للألوان تعرض عدة عينات لونية مرتبة حول محور مركزي. ويمكن أنتكون مثل هذه الشجرة ذات فائدة في مساعدة من يحاول موافقة لون مخصوص.

ولمضاهاة لون معين باستخدام نظام ميونسل أو أي نظام آخر، يجب إيجاد ذلكاللون من بين عينات الألوان المتاحة. ولكن عدد العينات في هذا النظام لايمكن أن يعادل أو يقترب من عدد الألوان التي يمكننا أن نميزها. ولهذاالسبب يستحيل في بعض الأحيان إيجاد تناسق لوني دقيق.

نظام الوكالة الدولية لمواصفات الألوان. غالبًا ما يحتاج صانعو المنتجات،كالأطعمة والطلاء والورق والمواد البلاستيكية والمنسوجات، لتناسب الألوانبدقة تامة. ولأن إبصار الألوان يختلف بين الناس، فإن اللونين اللذينيكونان متوافقين لشخص ما، ربما لا يكونان متوافقين لشخص آخر. ولهذا السببلا يعتمد أصحاب الصناعات على العين البشرية في موافقة الألوان بدقة تامة،بل يستخدمون نظام الوكالة الدولية لمواصفات الألوان. وهذه الوكالة منظمةدولية تطوّر وتخترع طرقًا معيارية لقياس الألوان.

ويمكن لصانع الطلاء الذي يريد إنتاج نفس اللون لطلاء أخضر في مصنعينمختلفين استخدام نظام الوكالة الدولية. ولكي يتم التأكد من أن اللونينمتوافقان أولا، يحلل خبراء الألوان لون الطلاء الأخضر المنتج في أحدالمصنعين لتحديد الأطوال الموجية للضوء المكون له. ويُجري الخبراء هذاالتحليل بمقياس الضوء الطيفي (السبكتروفوتومتر). ويفصل هذا الجهاز الأطوالالموجية المختلفة للضوء المنعكس من الطلاء، ويقيس شدتها بعد ذلك. وتُستخدمجداول عددية لتحويل هذه المعلومات إلى ثلاث قيم عددية ـ قيمة لكل منالألوان الأولية للضوء، التي توافق اللون الأخضر الأصلي عندما تخلط. وتعرِّف هذه الجداول العددية ـ والتي تسمى الراصدات القياسية ـ خواصمضاهاة الألوان لعين إنسان ذي إبصار طبيعي لها.

ويُحَلَّل، أيضًا، الطلاء المنتج في المصنع الآخر بمقياس الضوء الطيفي. وبعد ذلك تضاف كميات صغيرة من الخضاب لضبط ومعايرة لون الطلاء. وتستمرإضافة الخضاب حتى يسفر التحليل عن نفس القيم العددية الثلاث للألوانالأولية التي حُصِّلت في المصنع الأول. وعندما يُحصل على هذه القيم الثلاثللألوان الأولية فإن الطلاءين الأخضرين يتوافقان، بالرغم من أنهما ربمايحتويان على تركيبات مختلفة من الخضابات.




تاريخ دراسة الألوان

النظريات المبكرة لإبصار الألوان. طور عدد كبير من المفكرين في قديمالزمان نظريات حول طبيعة الألوان. ومنذ ذاك الزمن، أيدت التجارب العلميةبعض أفكارهم ودحضت أفكارًا أخرى.

وقد اعتقد إمبيدوقليز، وهو فيلسوف إغريقي من فلاسفة القرن الخامس قبلالميلادي أن إبصار الألوان يحدث بوساطة جسيمات صغيرة جدًا، تبعث بهاالأجسام وتمر خلال العينين. وظن أن العينين إما أن تُنتجا ردّ فعل لونيًاللجسيمات، أو تدركاها ملونة. ورأى الفيلسوف الإغريقي أفلاطون، في أوائلالقرن الرابع قبل الميلاد، أن إبصار الألوان يحدث بوساطة أشعة ترسل منالعينين نحو الجسم. ويحتمل أن يكون أرسطو ـ وهو فيلسوف إغريقي من فلاسفةأواخر القرن الرابع قبل الميلاد ـ أول إنسان يدرك وجود علاقة بين اللونوالضوء. ومع ذلك، فلقد اعتقد هو أيضًا أن اللون يحدث بوساطة شيءٍ شفافيوجد بين الجسم والعين.

واعتقد الطبيب الإغريقي جالينوس، المنسوب للقرن الثاني الميلادي، أن إبصارالألوان ينشأ لأن أشعة تصدر من العينين تعطي الهواء المحيط بها مقدرة لحملصور متناهية الصغر للأجسام إلى العينين. وظن أن هذه الصور تحلَّل بعد ذلكبوساطة أشباح بصرية تتحرك بين العينين والدماغ.

ابن الهيثم. خلال أوائل القرن الحادي عشر الميلادي، أدرك الفيزيائي العربيأبو علي الحسن بن الهيثم أن الإبصار يحدث نتيجة انعكاس الضوء من الأجسامإلى أعيننا. وقرر أن هذا الضوء المنعكس يكوِّن صورًا بصرية في العينين. كما أدرك أبو الحسن أن الألوان التي نراها في الأجسام تعتمد على الضوءالذي يسقط على هذه الأجسام، وعلى بعض خواص هذه الأجسام نفسها

نيوتنوجوته. خلال أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر الميلاديين،أجرى العالم الإنجليزي السير إسحق نيوتن عدة تجارب لبحث طبيعة الضوء. وضحنيوتن عمليًا، باستخدام منشور، أن الضوء الأبيض يحتوي على كل ألوان قوسقزح. كما كان نيوتن أول من أثبت أن الضوء الملون يمكن تركيبه ليكون ضوءًاأبيض. وأدرك نيوتن أن الأشعة الضوئية ذاتها ليست ملونة ولكن الإحساسباللون ينتج في الدماغ.

وخلال أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر الميلاديين، أجرىالشاعر الألماني، جوهان فلفجانج فون جوته تجارب بالضوء الملون والظلام. وكتب كتابًا في البصريات، بدا فيه وكأنه يناقض كثيرًا من النتائج التيتحصَّل عليها نيوتن. لم يصدق جوته أن الضوء الملون يمكن توليفه ليكونضوءًا أبيض. فقد ظن أن كل الضوء الملون كان في الحقيقة خليطًا من الضوءوالظلام. وكانت تجارب جوته مفيدة في توضيح كثير من جوانب الإبصار اللونيعمليًا. وعلى كُلِّ، فلم تعد نظريات جوته لإبصار الألوان والمبنية على هذهالتجارب، مقبولة عند العلماء.

نظرية المكونات الثلاثة. افتُرضت في عام 1801م بوساطة الفيزيائي الإنجليزيتوماس يونج وطورت خلال الخمسينيات من القرن التاسع عشر الميلادي بوساطةالفيزيائي الألماني هيرمان فون هيلمولتز. وتعرف نظرية المكونات الثلاثة،أيضًا بنظرية يونج ـ هيلمولتز أو النظرية اللونية الثلاثية.

تفترض هذه النظرية أن للعين ثلاثة أنواع من الألياف حساسة لأطوال موجيةمختلفة من الضوء. وعندما يسقط الضوء على هذه الألياف، تولد إشاراتكهربائية تنتقل مباشرة إلى الدماغ. وطبقًا لنظرية المكونات الثلاثة، تقابلالأحاسيس اللونية التي تنشأ في الدماغ هذه الإشارات الكهربائية بطريقةبسيطة ومباشرة. وقد أكدت التجارب العلمية وجود الأنواع الثلاثة منالألياف، والتي يُطلق عليها الآن لفظ مخاريط.وكل نوع من المخاريط حساسبصفة خاصة لإحدى ثلاث مجموعات من الأطوال الموجية للضوء، تمثل الألوان: الأحمر والأخضر والأزرق.

نظرية اللون المضاد. اقتُرحت في عام 1874م بوساطة عالم وظائف الأعضاءالألماني، إفالد هيرنج. افترض هيرنج أنه يوجد في مكان ما في أعصاب العينينوالدماغ آليتان للاستجابة، تحتوي كل منهما على زوج من الألوان المتضادة. وهذا يعني أن آليتي الاستجابة يمكنهما إرسال إشارة بأحد اللونين فقط فيوقت ما. وترسل إحدى آليتي الاستجابة إشارة إما باللون الأحمر أو الأخضر،وترسل الأخرى إشارة إما باللون الأصفر أو الأزرق. وتوجد آلية ثالثة ترسلإشارة بمستوى الإضاءة. ويفسر الدماغ هذه الإشارات وينتج إحساسنا باللون. تفسر نظرية اللون المضاد كثيرًا من جوانب إبصار الألوان أحسن مما تفعلنظرية المكونات الثلاثة. فعلى سبيل المثال، تقدم نظرية اللون المضادتفسيرًا لحقيقة عدم استطاعتنا رؤية ألوان مثل الأخضر المائل إلي الأحمر أوالأزرق المائل إلى الأصفر.

النظريات الحديثة. توحِّد النظريات الحديثة بين أفكار مأخوذة من نظريةالمكونات الثلاثة ونظرية اللون المضاد لتصف المراحل المختلفة لإبصارالألوان. ففي المرحلة الأولى من إبصار الألوان تمتص ثلاثة أنواع منالمخاريط الموجودة في الشبكية الضوء، وتولد إشارات كهربائية ـ كما افترضتنظرية المكونات الثلاثة. وخلال المرحلة الثانية من إبصار الألوان، تُحدثأعصاب في العين والدماغ ثلاث إشارات جديدة – تقابل الإشارات التي وصفتبوساطة نظرية اللون المضاد. ويُحتمل أن تمر إشارات الأعصاب بمراحل إضافيةقبل أن يفسرها الدماغ في النهاية بالإحساس باللون.

 

الوسوم

الدكتور حازم فلاح سكيك

د. حازم فلاح سكيك استاذ الفيزياء المشارك في قسم الفيزياء في جامعة الازهر – غزة | مؤسس شبكة الفيزياء التعليمية | واكاديمية الفيزياء للتعليم الالكتروني | ومنتدى الفيزياء التعليمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق