مقالات مجلة الفيزياء العصريةمواضيع العدد ٢٣

الفرميونات

الجزء الأول: ديراك، ماجورانا، فايل: لمحة تاريخية

يولد الانسان مشبعاً بالفضول وحب الاستكشاف بطبعه ويبدأ بالنظر حوله والتساؤل عن ماهية كل شيء، ينظر للنباتات، للأرض، للسماء، لنفسه. سننظر الآن لهذه الأشياء جميعاً، لكن أعمق قليلاً من المعتاد، نظرة لما يكون هذه الأشياء: الجسيمات الأولية، سنتناول قسماً منها في هذه السلسلة المسماة “الفرميونات”.

الفرميونات – الجزء الأول ديراك، ماجورانا، فايل: لمحة تاريخية

تقسم الجسيمات الأولية اعتماداً على عدة معايير منها الكتلة والشحنة والعزم المغزلي وغيرها، بالنسبة للعزم المغزلي، فهي تقسم بناء عليه الى بوزونات وفرميونات، البوزونات هي الجسيمات التي تمتلك قيمة صحيحة لعزم الدوران المغزلي، أما الفرميونات فهي التي تمتلك قيماً غير صحيحة، ومن الشائع تصنيف الفرميونات الى فئتين رئيسيتين هما الكواركات واللبتونات وتسمى فرميونات ديراك.

المثير في فكرة الفرميونات هو امتلاكها لكتلة وتصنيفها كجسيمات أولية، يمكنك تعريف الجسيمات الأولية على أنها اللبنات الأساسية المكونة لأي شيء، لكنها لا تتكون من أي شيء (معروف) أصغر منها، اذن كيف حصلت على كتلتها؟

الإجابة على هذا السؤال تكمن باختصار في طريقة تفاعلها مع مجال هيغز، فالجسيمات التي تحصل على كتلتها بهذه الطريقة تدعى فرميونات ديراك نسبة الى العالم بول ديراك. في عام 1937م، اقترح العالم الإيطالي ايتوري ماجورانا وجود فرميونات تحصل على كتلتها بطريقة أخرى (وهذا طبعاً قبل اكتشاف جسيم هيغز)، وهذه الطريقة تعتمد على تفاعل الجسيم مع نفسه. أحد النتائج المترتبة على آلية الكتلة الجديدة المقترحة هذه هي أن الجسيم هو نفسه جسيمه المضاد، وبما أن الجسيم وضده يمتلكان شحنة متعاكسة، فان تقصي هذا الافتراض يصلح فقط للجسيمات متعادلة الشحنة، وبما أنه مثير للاهتمام في هذه القصة فسنركز عليه أكثر من غيره قليلاً: النيوترينو.

الفرميونات – الجزء الأول ديراك، ماجورانا، فايل: لمحة تاريخيةلنعد قليلاً الى عام 1928م، عندما أوجد ديراك معادلته النسبية حول الفرميونات، كان مرتكزاً على الالكترونات بشكل أساسي، وهذا واضح من عنوان بحثه “النظرية الكمية للإلكترون”. في هذه المعادلة أوجد ديراك ضداً للإلكترون (أو ما يعرف بالبوزيترون) يمتلك نفس كتلته بشحنة معاكسة. في العام التالي أثبت العالم هيرمان فايل أنه للفرميونات عديمة الكتلة يمكن أن يكون هناك معادلة أبسط من معادلة ديراك، بمركبتين بدلاً من أربعة، وسنتحدث عن معنى هذا في جزء لاحق في السلسة بإذن الله.

عام 1930م، اقترح العالم فولفغانغ باولي وجود جسيم يدعى بالنيوترينو لشرح الطيف المتصل للإلكترونات خلال الاضمحلال بإطلاق أشعة بيتا وكيف أن الطاقة والزخم الخطي والعزم المغزلي يمكن أن يكونوا كميات محفوظة في هذه العملية، لكن ما علاقة هذه بفايل وماجورانا؟

النيوترينو حسب مقترح باولي يجب أن يكون عديم الشحنة، ومن تحليل بيانات الاضمحلال آنذاك وُجد أنه عديم الكتلة أيضاً، لذا كان من الطبيعي افتراض أن النيوترينو هو فرميون فايل (أي أن نظرية فايل تصف خصائصه). نتيجة أخرى ظهرت تلقائياً، وهي أن النيوترينو هو الجسيم المضاد لنفسه لأنه غير مشحون، والوصف المتعلق بهذا النوع من الفرميونات كان للعالم ماجورانا، لكن هذا لم يؤخذ بجدية اعتباره تابعاً لنظرية فايل، لذا بقي النيوترينو مصنفاً على أنه فرميون فايل.

في بداية الستينات من القرن الماضي، أصبح التساؤل عن صحة هذا التصنيف أكثر أهمية عندما طفت بعض الملاحظات المهمة الى السطح، وكانت حول النتائج المترتبة على الحسابات الدقيقة لكتلة النيوترينو، أصبح من المستحيل اهمال جوهرية وجود كتلة صغيرة جداً له والإبقاء على اعتباره جسيماً عديم الكتلة، لأنه ان امتلك كتلة (أي قدر من الكتلة في الواقع، فالمسألة هنا ليست مقدارها بل وجودها من عدمه) فهو لا يمكن أن يكون فرميون فايل.

لنعد الى ديراك، فبعد استبعاد فايل من الصورة للآن، أصبح النقاش متمحوراً حول هل أن النيوترينو هو فرميون ديراك أم فرميون ماجورانا …

ملاحظة: كل ما سبق عن النيوترينو هو حول النوع الوحيد المعروف وقتها وهو نيوترينو الالكترون، الأنواع الأخرى من النيوترينو تمتلك كتلاً أكبر.

الجزء القادم: اقتراح ماجورانا 

 “ماجورانا اقترح أنه بجعل جميع قيم γμ تخيلية فانه يمكننا الحصول على اقتران موجة حقيقي يصف جسيماً متعادل الشحنة وله عزم مغزلي يساوي ½

الوسوم

تعليقك على المقال:

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق