قرأت لكمواضيع العدد ١٠

[قرأت لك] كتاب الإنسان والنسبية والكون

للمؤلف الدكتور عبد المحسن صالح

روابط إعلانية

كتاب الإنسان والنسبية والكون

استهل الدكتور عبد المحسن صالح كتابه بحوار ظريف دار بين الفصيح وفهلاوعندما رأى الفصيح صورة في الجريدة مرتبطة بموضوع صعود رواد الفضاء إلى القمر يظهر فيها الأرض فوق القمر، فاستنكر ذلك وسأل فهلاو كيف يمكن أن يحدث شيءمثل هذا؟ كيف تبدو الأرض فوق القمر؟

ويجيبه فهلاو(بفهلوته المعهودة): الأمر بسيط فالذين وضعوا الصورة في الجريدة جهلة لأنهم وضعوها مقلوبة!حينها يرد الفصيح باستنكار ويقول: لكنك لو رأيت ما كتبوه تحت الصورة، لوجدت أنها غير مقلوبة،فرائد الفضاء يخاطب أهل الأرض وهو يخطو على سطح القمر ويقول: كم تبدو الأرض بروعتها وبهائها وهى معلقة فوق رأسه في الفضاء.

وهنا يشكك فهلاو فيصعود العلماء للقمر أساسا ويشكك فيما يقولون، لكن ليس من السهل على فصيح أن يشكك فيكلام العلماء،وبينما هما يتناقشان يأتي العالم مشكور فيقص عليه الفصيح ما دار بينه وبين الفهلوي، وهو يريد أن يعرف التعليل الصحيح.

يتبسم العالم ويقول: في الواقع أنك لو ذهبت للقمر أو الكواكب أو مهما صعدت للسماء، وتجولت بين النجوم فإنك لن ترى شيئاً تحتك في الكون، كل شيء فيه يبدو لك وكأنما هو فوقك، فلو كانت هناك مخلوقات عاقلة تسكن الكواكب التي نراها معلقة فوق رؤوسنا فإنهم يرون أرضنا معلقة فوق رءوسهم في السماء!فوق وتحت هيمسألة نسبية تتوقف على مكاننا في الكون الواسع !

النسبية كمفهوم كانت موجودة قبل أينشتين، وهو لم يأت بالنظرية من وحى خياله، بل أتى بها على أساس تحليلات رياضية عميقة، مستخدماً في ذلك كل ما توصل إليه العلماء من قبله أمثال جاليلو ونيوتن وفيتزجيرالد ولورنتز وميكسلون ومورلى ومينكوفسكى وماكس بلانك وغيرهم، ولكن أينشتين استطاع أن يصقل جوهرة العلم بطريقة أكثر تألقاً لتصبح وضاءة على جبين الفكر الإنساني.

روابط إعلانية

ولقد ظهرت النظرية النسبية على مرحلتين الأولى عام 1905 وأُطلق عليها النسبية الخاصة، والمرحلة الثانية عام 1916 باسم النسبية العامة لأنها أعم وأشمل، والكاتب هنا سيتعرض للنسبية الخاصة فقط نظراً لضيق المجال.

على موجات الأثير

ربما أتتك رسالة كتب فيها صاحبها أنه يرسل لك تمنياته وأشواقه على موجات الأثير، ورغم أن فككرة الأثير قد دفنت منذ أكثر من ثلاثة أرباع القرن، إلا أنها ما زالت مخيمة على عقول الكثيرين ليستخدموها في حمل التمنيات والأشواق، فما هو ذلك الأثير وما علاقته بالنسبية ؟

لو كان الأثير موجوداً فلاشك أنه السكون المطلق والوحيد في هذا الكون، ولابد أن أرضنا وكل الأجرام السماوية تمخر عبابه وتولد فيه تيارات أثيرية،  كما يمخر القارب عباب الماء ويولد فيه تيارات مائية.

هزت تجربة ميكلسون مورلي معتقدات العلماء هزة قوية، وأُعيدت مرات ومرات لكن كانت النتيجة تأتى دائماً بثبوت سرعة الضوء في جميع الاتجاهات!

وينتهى القرن التاسع عشر، ولا أحد يستطيع أن يعلل سر هذا التناقض، لابد أن وراءه سراً كبيراً، توصل إليه ألبرت أينشتاين في مطلع القرن العشرين وعمره لم يتجاوز 26عاما.

روابط إعلانية

من حيث بدأ أينشتين

التقط أينشتين الكشف الذى توصل إليه ميكسلون ومورلى، واعتبر أن سرعة الضوء هي الشيء الوحيد المطلق، بمعنى أنه ينطلق دائماً بالنسبة لكل من يراه في الكون بسرعة 186 ألف ميل في الثانية، أي أنه ثابت كونى لا يتأثر بسرعة المصدر الذى يطلقه، أو يستقبله.

“إننا لا نستطيع أن نتوصل إلى إثبات حركة مطلقة أو سكون مطلق بأي تجربة من التجارب وبناء عليه فلا يمكن أن نكتشف الأثير ولا نحتاج لوجوده” (سقوط فرضية الأثير).

إذن فقد بنى أينشتين نظريته على فرضين أساسين هما ثبوت سرعة الضوء ونسبية الحركة ولأن سرعة الضوء ثابتة فقد كانت هي الأساس في البناء الرياضي للنظرية.

تحرك أكثر تنكمش أكثر

لنفترض أن الفصيح وفهلاو قد انطلقا في سفينة فضائية طولها 20 متراً، ومزودة ببعض الأجهزة البسيطة لقياس الأطوال والزمن والكتلة..إلخ، (مساطر وساعات وموازين حساسة)، وأن بهانة ومسعدة قد انطلقتا في سفينة أخرى تشبه سفينة الفصيح، ومزودة بنفس الأجهزة المضبوطة تماماً بمعاييرنا الأرضية.

وفى الفضاء الكوني تلحق سفينة السيدتين بسفينة الرجلين بسرعة 163 ألف ميل في الثانية في خط مستقيم وبانتظام، أي بسرعة تساوى تقريباً 90 % من سرعة الضوء، وعنما يلقى الفصيح نظرة خاطفة على سفينة بهانة، ويفرك الفصيحعينيه وهو لا يكاد يصدق ما يراه،لقد انكمشت سفينة السيدتين فبعد أن كان طولها على الأرض 20 متراً بالتمام والكمال أصبح طولها الآن 10 أمتار فقط لا غير!

في الواقع إن بهانة لن تلحظ شيئاً غريباً حولها لأنها لا تتحرك بالنسبة لنفسها أو للسفينة، إن الصورة تختلف فقط إذا نظرت إلى الأشياء الأخرى في إطار يبدو متحركاً بسرعة كبيرة بالنسبة لإطارك.

تحرك أكثر تثقل أكثر

خذ مثلاً حالة بهانة التي تنطلق بسرعة 90% من سرعة الضوء، فلو كانت كتلتها 65 كيلوجراماً، فإن كتلتها تبدو لنا وقد تضاعفت، أي تصير 130 كيلوجراماً، ولكن بهانة لا تلحظ على نفسها شيئاً غير عادى، لأنها لا تتحرك بالنسبة لنفسها، كما أنها إذا أمسكت بحقيبة يدها، فإنها لا تراها قد ثقلت كما نراها على أرضنا، كل شيء في إطارها يبدو منطقياً ومعقولاً تماماً كما لو كانت تعيش على الأرض.

وهنا قد تتساءلون: من أين جاءت الزيادة في الكتلة رغم أن الكتلة _كما عرفناها_ عدد محدد من الذرات أو من الجسيمات التي تبنى الذرات؟

والجواب: إن الزيادة في كتلة المادة التي تتحرك بسرعة قريبة من الضوء قد نتجت من حركتها، والحركة صور من صور الطاقة، وأن الطاقة الرهيبة التي دفعت الكتلة قد منحتها هذه الزيادة، وكأنما الطاقة تتجسد على هيئة كتلة لتضاف إلى الكتلة الأصلية!

وهذا ببساطة يعنى أن الكتلة طاقة، وأن الطاقة كتلة، كما أشارت إلى ذلك المعادلة الطاقة تساوي الكتلة في مربع سرعة الضوء. علينا أن نقدم هنا تلك المناقشة التي دارت بين أينشتين، وبين جمع من الناس الذين سخروا من معنى المعادلة.

فقال أحدهم: أنت يا سيد أينشتين تزعم أن الطاقة الكامنة في حفنة من الفحم أكبر من طاقة أو(قوة) كل سلاح الفرسان بالجيش البروسى (الألماني)، فإذا كان ذلك صحيحاً كما تدعى من خلال معادلاتك الغريبة، فلماذا إذن لم نلاحظ ذلك؟

ويرد أينشتين: إذا كان هناك رجل فاحش الثراء، ولكن كل ثروته محبوسة أو مدفونة، بمعنى أن أحداً لم يلحظه، وهو يصرف ماركاً أو يدخر ماركاً، عندئذ لا أحد يستطيع أن يلحظ هذه الثروة أو يقدرها، وكذلك الحال مع المادة فما دامت لا تطلق  طاقتها المدفونة، عندئذ لا يمكن ملاحظتها أو الإحساس بها.

نسبية الزمن

من منا يستطيع أن يحدد معنى الزمن ؟ هل للزمن بداية ونهاية؟ وإذا كان فمن أين ومتى بدأ، وإلى أين ومتى سينتهى؟

هل سريان الزمن مفهوم مطلق أم نسبى بمعنى هل يراه كل من في الكون ثابت لا يتغير أم أنه قابل للتمدد والانكماش؟

إلى آخر كل هذه الأسئلة المحيرة التي لا نستطيع أن نجد لها جواباً مقنعاً، رغم أننا جميعاً نشعر بمرور الزمن لكننا لا نستطيع أن نحدد طبيعته.

ولقد اعتبر العلماء قبل أينشتين أن الزمن مطلق .. شيء ثابت لا يتغير، ويسرى سرياناً منتظماً، ولا أحد يستطيع أن يقول أن الزمن يبطئ أو يسرع أو يتوقف.

عندما جاء أينشتين ودرس الموضوع دراسة فيها تأمل وأصالة وصل إلى نتيجة غريبة عن الزمن، فقال إن الزمن نسبى وأنه يتغير تبعاً للحركة، أي لابد أن يقيس كل من في الكون زمنه في الإطار الذى يتحرك فيه حتى لا يقع في متناقضات كثيرة.

إن “هنا”و”هناك”و”الأمس”و”غداً”و”الآن” ألفاظ نستخدمها فقط بالنسبة للإطار الذى نعيش فيه على أرضنا، ولا نستطيع أن نستخدم هذه الألفاظ “المحلية” في كل إطارات الكون، فالأمس قد يعنى غداً ، وغداً قد يعنى الأمس (كل على حسب إطاره).

كون غريب بأبعاد أربعة

“إن كل من ليست له صلة بالعلوم الرياضية، سوف تنتابه رعدة غامضة عندما نذكر له وجود أشياء تتصف بصفات الأبعاد الأربعة، ومع ذلك فإننا لا نستطيع أن نجد في لغتنا كلمة مألوفة نعبر بها عن ذلك أكثر من قولنا أن العالم الذى نعيش فيه ليس إلا استمرارا للزمان والمكان في أبعاد أربعة.”!

نحن نعيش فيعالم رباعي الأبعاد لكننا مخلوقات ثلاثية الأبعاد، لذلك لا يمكننا إدراك البعد الزمنى (البعد الرابع).

علينا أن نتساءل ..هل إذا نظرنا إلى الكون في المكان والزمان .. فهل نراه على حقيقته؟

الواقع أننا لانرى الحقيقة لا فيالزمان ولا في المكان، إننا نرى النجوم لا حيث تكون الآن، ولكننا ننظر إلى الماضي،إلى حيث كانت هناك في مواضعها منذملايين، إن ما يصل إلينا من ضوئها ليس إلا ضوء بعثته من ملايين السنين، ونحن لا نستطيع أن نحدد وجودها ومواقعها حيث تكون الآن، لأنها تتحرك دائماً في الزمان والمكان، نحن لا نستطيع ان نفهم الزمان والمكان  في ومضة خاطفة، فنشهد كل شيء في الكون على حقيقته، فذلك مرده إلى عقولنا القاصرة وحواسنا التي لا تسمع ولا ترى إلا في حدود جد ضيقة.

إن الله وحده هو الذى يحيط بكل شيء علماً فيرى الكون على حقيقته المطلقة من أوله إلى آخره في لمحة خاطفة، وقد منحنا عقولاً لتبحث في أسرار الكون علنا نصل إلى الحقيقة يوماً.

وهنا قد يتساءل البعض.. وماذا تقصد بالحقيقة بعد أن أظهرت لنا نظرية النسبية أن كل شيء نسبى؟..فإذا كان الأمر كذلك فهل سيتوصل الإنسان إلى الحقيقة المطلقة يوماً؟ ..وإن حدث فماذا يعنى ذلك؟

لو فرضنا أن الإنسان قد وصل إلى الحقيقة المطلقة فسيكون بمرتبة خالقه، ولا يمكن بطبيعة الحال أن يرقى بالمخلوق إلى مرتبة الخالق، لأنه جزء من كل، ولذلك فإن كل ما يتوصل إليه الإنسان إنما هو حقيقة نسبية لا مطلقة، لأن المطلق لله وحده، وكل ما عداه فهو نسبي.

ومهما كانت الأمور فإن أسرار الكون لا تنتهى أبداً، فهي بمثابة بحر هائل لم نحصل منه سوى على قطرة واحدة، ومازلنا حائرين في هذه القطرة، وستبقى عقولنا دائماً حائرة أمام أسرار الكون المتلاطمة.

عقولنا كأنما يقول فيها الشاعر:

فسارت هباء واضمحلت كذرة                         على الشاطئ المحموم والموج صاخب

قراءة وتلخيص سمية أحمد عضوة منتدى الفيزياء التعليمي

روابط إعلانية
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق