مقالاتمواضيع العدد ٢١

سلسلة الفيزياء والحياة: الزمن = صفر

روابط إعلانية

سلسلة الفيزياء والحياة: الزمن = صفر

“الزمن” كلمة لا تلفظ باللسان بل تُنطق من الأعماق، سهلة يسيرة نطقاً وحيرت الجميع معنىً، “الزمن” لغز أساسي وسر رئيسي من أسرار الطبيعة التي ترفض البوح به أو التحدث عنه، فالزمن بلا جدال إحدى مسائل الكون الرئيسية بل وربما يكون الكون هو الزمن.

يبدو وكأننا نعرف الزمن أو هكذا نعتقد لكن عندما نبحث له عن معنى وتفسير فإننا نعود ظمآى تتملكنا الحيرة من أطرافنا لأعماقنا، يقول أغسطين كلمته الشهيرة في الزمن: “حينما لا أسأل عنه أعرفه وبمجرد ما يتعلق الأمر بتفسيره فإنني لا أعرفه أبداً”، أما الكلمة الأكثر إيقاعاً في الزمن ما قاله إتيان كلاين في كتابه هل الزمن موجود؟ حيث قال “إن التفكير في الزمان يشبه حرث سطح البحر” ولك أن تتخيل كيف سنحرث سطح البحر.

اعتني القرآن الكريم بالزمن عناية بالغة ومن الأمثلة على ذلك: اعتبار الزمن من النعم العظيمة واعتباره من الأدلة على وجود الله وأشار إلى قيمة الزمن ودعا لاستثماره في الخير، وهذا يعنى أن للزمن مبلغه. 

لننتقل معاً في جولة أسئلة تُقربنا إلى ماهية الزمن وتصحبنا إلى أعماقه، حتى لو لم نجد لها إجابات، يكفينا استحضار الفكر وإشغال العقل:

هل الزمن حقيقة أم وهم؟

روابط إعلانية

هل الزمن حسي ملموس أم مجرد شعور ذهني نفسي وربما عاطفي يدور حول الإنسان أو في ثنايا تفكيره؟

سلسلة الفيزياء والحياة: الزمن = صفرهل نستطيع إيقاف الزمن أو حتى تجميده؟

هل بإمكاننا العودة للوراء حسياً لا ذهنياً؟

هل الزمن نهر متدفق جارى باتجاه واحد فقط ماضي نحو المستقبل لا حيود عنه أم له عدة اتجاهات؟ 

هل الزمن قوة؟ وإنْ كان قوة هل هو قوة لا تُقهر؟

ما معنى أن الزمن يساوى صفر وهل بالضرورة يوجد زمن يساوى المالانهاية؟

روابط إعلانية

أمن الممكن أن يشير عقرب الساعة إلي صفر؟ 

هل يوجد تدريج صفر في الساعة المعلقة على الحائط؟ وإنْ وجد الصفر فهل يوجد تدريج المالانهاية؟

إلي أين نمضى مع الزمن.. للأمام أم للوراء؟

حين يسألك شخص”كم عمرك؟”  ماذا يعنى ذلك للزمن؟ أتراه يعنى عداً تنازلياً أم تصاعدياً؟

أو يمضي العمر بنا نحو الزمن يساوى صفر وفي النهاية سنستقر في الزمن يساوي المالانهاية؟

الزمن ذكر في القرآن كثيراً بألفاظ متعددة في عدة مواطن وأقسم به الله، فهل للزمن أهمية أم هو على الهامش وإنْ كان على الهامش فعلى أي هامشٍ مثلا (الزمان على هامش الزمان) وماذا تراه يعني لنا؟


تعريف الزمان:

سلسلة الفيزياء والحياة: الزمن = صفرما هو ذلك الزمن الذي تشعر به يتباطىء في نفس الوقت الي يشعر به زميلك أنه يتسارع؟ ما يعنى الزمن للفرد وللأمة وللكون بأسره؟ ما هو ذلك الزمن الذي تشعر به يقتلك ويخنقك لأنك لا تجد وقتاً للراحة بين أعمالك أما غيرك فيتسكع هنا وهناك لقتل الوقت!

يقول الإمام حسن البنا – رحمه الله – في ذلك:

“ليس يعلم أحد إلا الله كم من الليالي كنا نقضيها نستعرض حـال الأمة وما وصلت إليه في مختلف مظاهر حياتها، ونحلل العلل والأدواء، ونفكر في العلاج وحسم الداء، ويفيض بنا التأثر لما وصلنا إليه إلى حد البكاء. وكـم كنا نعجب إذ نرى أنفسنا في مثل هذه المشغلة النفسانية العنيفة والخليون هاجعون يتسكعون بين المقاهي ويترددون على أندية الفساد والإتلاف. فـإذا سألت أحدهم عما يحمله على هذه الجلسة الفارغة المملة، قال لك: أقتل الوقت، وما درى هذا المسكين أن من يقتل وقته إنما يقتل نفسه، فإنما الوقت هو الحياة”

الزمن كما يبسطه الداعية الدكتور محمد راتب النابلسي هو البعد الرابع للأشياء، فكل شيء له طول وعرض وارتفاع ما يسمى بالأبعاد الثلاثية، فلنفرض أننا نملك نقطة وخط وسطح وحجم ،النقطة عبارة عن شيء ما إذا حركتها شكلت مستقيماً وإن حركت المستقيم شكّل سطحاً وإن حركت السطح شكّل حجماً وإن حركت الحجم شكلّ وقتاً، فالزمن هو البعد الرابع للأشياء ومع الزمن حركة ويقال أن الشيء إذا تحرك اُستهلك، أما فضيلة الدكتور عودة عبدالله في مجلة البحوث الإسلامية كتب قائلاً: “الزمن هو مادة هذه الحياة، والروح التي تجري في عروقها، فما الحياة في حقيقتها إلا زمن يمر ويمضي، ومن أدرك الزمن على حقيقته، فقد أدرك هذه الحياة على حقيقتها، وبانت له معالم الطريق الذي ينبغي سلوكه. وما الزمن إلا حياة الأمم، إذا حافظت عليه دبت الحيوية في شرايينها، وإذا أهملته أمست هامدة خامدة لا روح فيها ولا حياة.”

مفهوم الزمن عند نيوتن:

النظرة النيوتينية للزمن أنه مدة أو فترة زمنية مطلقة يمكن قياسها فالزمن في رؤيته نهر يتدفق إلي المالانهاية ويسير في اتجاه واحد إلي المستقبل ووفقاً لقوانين نيوتن والتي وضعها قبله العالم المسلم ابن سينا في كتابه “الإشارات والتنبيهات” والعالم المسلم هبة الله بن ملكا البغدادي في كتابه “المعتبر في الحكمة” فإن سير الزمن في اتجاه واحد نحو المستقبل ليس هو الاحتمال الوحيد فإذا كان بإمكاننا تحريك جسم بتعريضه لقوة في اتجاه معين نستطيع أيضاً توجيهه باتجاه جديد من خلال تغيير اتجاه القوة، هذا علمياً يعنى أن الزمن ليس له اتجاه واحد، إذن من المحتمل في المستقبل أن يتم إثبات أن الزمن ليس له اتجاه بمعنى أنه لا يمضى دائماً نحو المستقبل فهل نستطيع تغيير اتجاه الزمن بقوة معاكسة لاتجاهه نحو المستقبل فيصبح اتجاهه نحو الماضي أو نقوم بتوازن قوي فنحصر اتجاهه في الحاضر، هل نستطيع تعريضه لقوة معاكسة لاتجاه المستقبل فيصبح للماضي أو نستطيع تثبيته فيبقي في الحاضر؟

سلسلة الفيزياء والحياة: الزمن = صفر

الزمن والنظرية النسبية:

سلسلة الفيزياء والحياة: الزمن = صفرحسب نسبية آينشتاين فإن الوقت بالنسبة لشخص ما قد يختلف عن الوقت بالنسبة لشخص آخر، فالساعة بالنسبة لك قد تكون كالشهر بالنسبة لإنسان آخر، هل الخمسة دقائق بالنسبة لطالب في امتحان كالخمسة دقائق بالنسبة لشخص يتنزه ويتداول أطراف الحديث الفكاهي مع أصدقائه؟ فالزمن غير موجود إنما مفهوم يستخدمه البشر لقياس وقتهم في الحياة لكنه ليس فعلي أو حقيقي، توصل آينشتاين لهذه النتيجة تبعاً للعلاقة بين الزمان والمكان التي أسماها نظرية “الزمكان” والتي تنص على أنه لا ينبغي أن نفكر في الزمان والمكان كشيئين منفصلين وإنما كوحدة غير متجزئة.

يعتبر البعض أن الزمن ليس ظاهرة مستقلة لكنه محاولة لإضافة بعض النظام على حياتنا البشرية.

ما نستخلصه أنه لا يوجد تفسير قطعي للزمان إنما هناك العديد من التفسيرات والنظريات والتي لا تعتبر حقائق مطلقة أو اكتشافات لا يعدو كونها آراء قابلة للنقد والنقاش.

الزمن = صفر: 

حين تمر بنا لحظة شعورية جميلة نود لو أننا نوقف الزمن عندها ونستمتع بها حد الإشباع، وكذلك حين يصل لآذاننا خبرٌ صادم أو مفجع فإننا نشعر وكأنّ الزمن توقف برهةً .. لينتقل كيان الفهم لدينا من الواقع إلى دهاليز العقل الداخلية علنّا نستوعب ما جرى. 

هذا حدث مع الكثير من أبناء غزة والشام حين خرجوا من تحت الردم وجاءهم خبر رحيل عوائلهم بأكملها، وهذا ما حدث حين يجيئك خبر استشهاد أحدهم ومفارقته لهذه الحياة وهذا ما يحدث حين يغدر بك أحدهم أيضاً.. تشعر بأن الزمان توقف، تشعر بأن الحركة حولك لا وجود لها حتى وإنْ وجدت.. فهل فعلياً الزمان توقف أم أن الشعور انتقل من مرحلة الواقع لمرحلة استيعاب الحقائق.

هل حين نقول أن الزمان توقف نستطيع القول بأن الزمن = صفر فلا حركة في الأرجاء؟ 

سلسلة الفيزياء والحياة: الزمن = صفرولدنا على هذه الأرض ونكبر يوماً بعد يوم، في الحقيقة لا ندري هل عمرنا يزيد أم أننا نأكل منه فيتناقص؟ بمعنى تنتقل من 3 سنوات إلي ست سنوات إلى العشرين ثم الأربعين ثم.. إذن العمر في ازدياد لكن ما تبقي لنا من العمر في تناقص، فحين الميلاد تبقي لنا عمرنا كله ثم نكبر قليلا فيتناقص ما تبقي لنا من العمر حتى تحين الوفاة معلنةً نهاية العمر.

فهل لحظة الميلاد هي الصفر ويزداد عمرنا (تصاعدياً) أم أن لحظة الوفاة هي الصفر ويقل ما تبقي من عمرنا (تنازلياً)؟ 

هل يمضي الزمان بالسالب أم بالموجب؟ بالزيادة أم بالنقصان؟ وما علاقة الإنسان بالزمان؟

الإنسان كائن زماني: 

يقول النابلسي حفظه الله في محاضرة بعنوان مفهوم الزمن في القرآن الكريم: الإنسان رأسماله الزمن، الإنسان في أدق تعريفاته أنه زمن، قال الإمام الحسن البصري في تعريفه للإنسان: ” الإنسان بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه”. 

إذن نحن نولد حاملين على أكتافنا عدداً من الأيام، نقضي هذه الأيام فتقل وتقل وتقل حتى يأذن الله لملك الموت وحينها أمن الممكن أن نقول أن الزمن بالنسبة للمتوفى = صفر؟ 

إذن فالزمن هو الحياة، حياة الإنسان أو حياة الأمة أو حياة الكون.

سلسلة الفيزياء والحياة: الزمن = صفرقد يبدو الكلام مرعباً بأنك مثلاً يا أحمد = 40 عاماً، قضيت الطفولة فالشباب وصلت لسن الخامسة والعشرين بقي منك خمسة عشر عاماً وعند الأربعين باليوم بالساعة بالدقيقة بالثانية باللحظة يحين أجلك ويكون الزمان في الحياة الدنيا بالنسبة لك =صفر. 

فلو انتقلنا مع أحمد إلي عالم البرزخ هل ستعود مجريات الزمن؟ ويبدأ من لحظة سؤال الملكين حتى يشاء الله بقيام الساعة، إذن الزمن = صفر بالنسبة لحياة البرزخ عندما تقوم الساعة.

سنواصل مضياً مع أحمد في الدار الآخرة حين يحاسبه الله ويسمح له بدخول الجنة هو والذين آمنوا أما الكفار فلهم عذاب النار وبئس المصير.. ثم ماذا؟ ثم ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبشٌ أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبُّون وينظرون، ويقولون: نعم، هذا الموت، قال: ويقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبُّون وينظرون، ويقولون: نعم، هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح، قال: ثم يقال: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار، خلود فلا موت، قال: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: 39])، وأشار بيده إلى الدنيا؛ رواه مسلم.

فحين يؤتى بالموت ككبشٍ أملح ويذبح ما بين الجنة والنار، هنا نهاية المطاف والدار الحقيقية حيث المكوث الخلودي أو كما قال خلودٌ بلا موت. 

ألا يعنى هذا أن الزمن = صفر فهنا في الجنة سعادة خالدة وهنا في النار تعاسة خالدة، في الحياة الدنيا حين نقول وكأن الزمن توقف فإننا نقصد ثبات الصورة أو الحدث أما في الدار الآخرة ألا وهي الحياة الحقيقية فإننا نقصد بتوقف الزمن وقتل الموت نقصد به (الخلود الأبدي). 

فهنا تحررت حياتنا من الزمن إلى الخلود، وفي بداية الخلود الأبدي تلك يتحسر الطرفان المؤمن والكافر، سلسلة الفيزياء والحياة: الزمن = صفرفالمؤمن يتحسر على أنه لو ذكر الله أكثر لنال أكثر والكافر يتحسر على حاله ومآله الهالك. 

وذكر الخلود في القرآن في مواطن كثيرة نذكر منها:

” لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا” (15 آل عمران)

” خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ” ﴿٨٨ آل عمران﴾

إنفاق الوقت:

يقول الله تعالى في سورة العصر: “وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)”

يقسم الله عز وجل للإنسان الذي هو في حقيقته زمن بالزمن، فهو يقسم بالزمن للزمن، أنك أيها الإنسان في خسرانٍ مبين لأن مُضي الوقت يستهلكك، فإما أن تنفقه إنفاقاً استهلاكياً فتخسر أو تنفقه إنفاق استثماري فتربح كأولئك الذين آمنوا بالله وقاموا للصالحات فلم يقولوها فقط بل عملوا بها ووصّوا أنفسهم بالثبات على الحق والصبر في طريقه.

فلنكن منهم أحبتي ولنُصلح ولنُحسن قبل أن يساوي الزمن بالنسبة لنا صفراً.

للكاتبة: أ. مريم عبدالله أبو تيلخ

رحاّلة مسلمة أجوب الزمان والمكان لأصل لغايتي الأبدية “رضا الله”

روابط إعلانية
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
تحتاج مساعدة...
ارسل إلى الواتساب
إغلاق
إغلاق