page contents
مقالات في الفيزياء

عن العلم بعد اينشتين

عن العلم بعد اينشتين

بعد ظهور النظرية النسبية ترتب على الحقائق الجديدة تطور لم يكن يخطر على بال احد في العلوم نستعرضها في هذه المقالة…………..




اكتشف جون ميتشيل عام 1783 أن النجوم العملاقة سوف تكون لها جاذبية كبيرة تجعل الاشعاعات والأضواء المنبعثة منها ترتد مرة أخرى الى سطحها. ولم يحاول انذاك البحث فيم قاله ميتشيل أوصياغة قانون حتى أعلن اينشتين نظرية النسبية العامة عام 1915 والتي تنبأ فيها بوجود النجوم المتقلصة شديدة الجاذبية وعبر عن ذلك بثلاث معادلات محددة الاولى ثابتة الجاذبية لنيوتن والثانية كتلة النجم المتقلص والثالثة النسبية بين كتلة النجم المتقلص وكتلة النجم العملاق الاصلي وقطره قبل أن ينفجر ويتقلص قلبه. وقد تأكد تماما من وجود تلك النجوم وتصويرها لاول مرة عام 92 بتلسكوب الفضاء هبيل فقد لاحظ أنه في آخر مرحلة من مراحل النجوم العملاقة التي تنهار تحت ثقلها مما يؤدي الى اشتعال مادتها ويتحول النجم خلال 6 ساعات الى نجم سوبر نوفا متفجر.

ويطيح الانفجار بسطح النجم وغلافه الخارجي حيث يتحول الى سديم حلقي أما القلب فيتحول الى نجم نيوتروني لا يزيد قطره على 15_20 كيلومترا. أما اذا كان الثقب الاسود لايدور حول محوره فهو مستدير الشكل تماما وليس له شحنة واذا كان يدور فهو مفلطح ويحمل شحنة. ولكن الامر ليس بهذه البساطة، فهذه النجوم من الثقوب السوداء تتمتع بقدر كبير جدا من الغرابة والتناقض.

كتب اينشتاين ما بين عام 1905 الى 1915 أثناء عمله في مكتب براءات الاختراع بمدينة برن أربع مقالات غيرت تاريخ الفيزياء والكون بأسره. أول بحث نشره باسم (التأثير الكهروضوئي) والذي تحدث فيه عن تاثير الضوء في ذرات الفلزات ثم (نحو طريقة جديدة لتقدير الابعاد الجزيئية) و(الحركة البراونية _الحركة المتعرجة غير المنتظمة للجزيئات الدقيقة الناتجة عن اهتزازالذرات) وأخيرا (النسبية وتمدد الزمن) والجدير بالذكرأنه لايزال حتى اليوم تعتبر تلك الأبحاث بمثابة انطلاق الباحثين لاكتشاف الكون واعداد نظريات جديدة. وقد أطلق علماء القرن لقب (أب الفيزياء) على أنشتاين لانه استطاع تمهيد الطريق أمامهم وسبقهم نحو المستقبل، فقد ادخل مفاهيم جديدة على علم الفيزياء لايزال العلماء يحاولون تفسيرها حتى اليوم ومنها (ظاهرة الثقوب السوداء) وانكماش وتقلص أطوال الاجسام تحت ظروف معينة في الفضاء.

حلم اينشتين بفهم كل ما يحدث في الكون من حركة دوران الارض والقمر والشمس والنجوم بل ودوران الاليكترونات حول نواة الذرة أوالذبابات التي تطلقها الذرة. قرر انذاك دراسة الفيزياء النظرية مختلفا بذلك عن أسلافه جاليليو ونيوتن. وكان ذلك هو السر في توصله الى نظريتي النسبية الخاصة والعامة. ففي النظرية النسبية الخاصة استخدم سرعة الضوء للربط بين الزمن والمكان وفي النسبية العامة استخدم الجاذبية للربط بين الزمن والمكان. فالابعاد رباعية في الفضاء الخارجي وثلاثية في الغلاف الجوي وثنائية على سطحها وأحادية كالخط الرفيع المرسوم على ورقة. ومن هنا فقد استطاع تحليل مكونات الكون ببساطة ساعدت العلماء في الكشف عن كثير من الامور. فقد اكتشف العلماء منذ سنوات قليلة ماضية أن الزمن ينتابه حالات غريبة، فهو يتباطأ بزيادة السرعة تماما مثلما يتباطأ بزيادة الجاذبية. وقد يكتسب الزمن طاقة سالبة خلافا للطاقة الموجبة في عالمنا فيعود الى الوراء. واثبتت التجارب العلمية بالفعل أن هناك ظاهرة ارتداد العالم للوراء عند اندفاعه بسرعة أكبر من سرعة الضوء. وكذلك فان الزمن يمكن أن يتجمد أو يتوقف بالتبريد الشديد حيث تتوقف الالكترونيات عن الدوران حول نواة الذرة وذلك عند درجة الصفر المطلق.

واستطاع الباحثون أيضا التوصل الى أن هناك أنواعا عديدة من الزمن: الزمن الكوني الذي يتم رصده بجميع الوسائل المتاحة اذ أنه يتطابق مع تمدد الكون انطلاقا من مركز الانفجار العظيم. الزمن الذاتي وهي الساعة البيولوجية داخل جسم الانسان. والزمن الطبيعي أو المادي الذي يمكن قياسه بدقة عالية وبطرق عادية والزمن الاجتماعي الذي يشترك فيه مجموعة من الناس في منطقة زمنية معينة. الزمن الديناميكي الحراري الذي يزداد فيه اضراب نظام الكون (انتروبيا) مع مرور الزمن للامام في طور تمدد الكون طبقا للقانون الديناميكي الثاني. والزمن الحقيقي الذي يستخدم حاليا في الكون بقيمة موجبة لان طاقة كوكبنا موجبة واتجاهه الى الامام في المستقبل. وأخيرا الزمن التخيلي الذي يشبه الزمن الحقيقي ولكنه بقيمة سالبة لا يرى الا في عالم آخر غير عالمنا وهذا الذي يؤدي الى الارتداد الى الماضي. وهذا الزمن التخيلي مرتبط بنوع واحد من النجوم هو (الثقوب السوداء).

وقد اكتشف العلماء أصل الكون بناء على نظرية النسبية حيث بدأ بانفجار عظيم لمادة فريدة من نوعها. فالكون مكون من ثلاثة أشياء: المادة الاولية والزمن والمكان. في البداية كانت المادة والزمان والمكان ملتصقة معا في كتلة واحدة وفي حيز يحتويها جميعا. ومع مرور الوقت وطبقا للنظريات انخفضت درجة الحرارة الى الحد المناسب الذي سمح للفضاء (الزمان) والمكان بالانفصال عن المادة. وبدأ الكون الوليد عن طريق الاشعاع وانطلق الزمان والمكان بسرعة الضوء متقدما المادة بسرعتها المحدودة. والغريب أن المكونات الثلاثة تراقب بعضها البعض، فالزمان يحد من انتشار المكان بألا يكون أسرع في التمدد من سرعة الضوء. والمكان لا بد له من حيز يحتويه والمادة لا يمكن أن تتواجد الا في زمان ومكان. والزمن يعتمد أساسا على المادة. فلو توقفت الاليكترونيات عن الدوران حول نواة الذرة لتوقف الزمن تماما وانعدمت المادة وانتهى الزمن. وهذا السؤال أهم ما ينتظر علماء هذا القرن هل بالفعل ينتهي الزمن ويبدأ من جديد؟ فالمشكلة أن كل ما يصل الينا هو ما يحدث عند الحدود الخارجية للثقب نفسه أما فيما يخص داخل الثقب فلا أحد يمكن الوصول اليه. فنتائج الابحاث تشير الى أن الطاقة الكلية الموجودة داخل الثقب الاسود صفر، فهو يتصرف كأي جسم في درجة حرارة الصفر المطلق حيث يمكنه تحويل الحرارة.




وتصل درجة الحرارة في قلبه أقل من الصفر المطلق. ويرى بعض علماء الفلك أن مادة الثقب الاسود هي من المادة المضادة والتي تنتج هذه الحرارة الهائلة عند التحامها بمادة النجم المجاور وتسحقها كلية. ويبدو أن الطاقة الموجبة للمادة التي يتم ابتلاعها تتحول فور عبورها (الافق الخارجي) الى طاقة سالبة وتفقد كتلتها الذاتية تماما. وتدل الابحاث أن حرارة قلب الثقب هي حرارة سالبة أي ربما أقل حرارة من الصفر المطلق الذي لا نعرف عنه شيئا أقل منه حرارة في علوم الفيزياء.

وأهم ما يحدث في ظاهرة الثقوب السوداء هو تحول سهم الزمن من الامام الى الوراء في لحظات أي تعود الى الزمن التخيلي. فلو كان قلب الثقوب السوداء في درجة الصفر المطلق لتوقف الزمن حيث تتوقف الاليكترونيات عن الدوران حول نوات الذرات. وهذا يجعل العلماء متحيرين مرة أخرى. فهل يمكن لتلك الظاهرة تعدي الحاجز الفاصل لتصل الى عالم الطاقة السالبة (العالم التخيلي) فالمعروف أن هذا العلم يسير وفقا للقانون أما العالم التخيلي فيسير وفقا لقانون غير معروف الابعاد.

ويبرر بعض العلماء ما يحدث داخل الثقوب السوداء بانقلاب شامل لوظيفة الزمن والمكان فسهم الزمن ليس له اتجاه واحد داخلها. وأما الفضاء مع المادة فنجده مجبرا بالجاذبية للاتجاه نحو مركز الثقب فقط. ويرجع العلماء الى السؤال عن أين ذهبت كل هذه المواد من النجوم الاخرى التي يبتلعها الثقب الاسود؟ وبالطبع لا يوجد اجابة. الاأن العالم هوكينج يرى أن الثقب الاسود في هذه الحالة يتزايد حجمه وينمو الى أن يبتلع كل أو معظم نجوم المجرة وربما يتحول بعد ذلك الى كويرز كما يشير. الا أن العالم الامريكي جون ويلر يرى أن تلك الثقوب دودية أو انفاق داخلية أشبه بالثقوب الطولية التي يحشو بها قرص الجبنة. وهذه الانفاق تبدأ عند مركز الثقب الاسود وتربط بين قطاعات أو أطراف أوأجزاء الكون المنظور منه وغير المنظور. وأكد أيضا أن تلك الثقوب الدودية لا يمكن أن تبدأ ألا في مركز نجوم الثقوب السوداء الدوارة المفلطحة ذات الشحنة. أما الثقوب السوداء التي لا تدور حول محورها والمستديرة الخالية من الشحنة، فلا تحتوي على اية أنفاق دودية عند مركزها. ومن هنا جاءت افتراضية السفر عبر الزمن الى قطاعات أخرى في الكون وأن كان الامر ليس مؤكدا.

واكتشف أيضا أن تبخر الثقوب السوداء اذ أن سطح الثقب الاسود تصل درجة حرارتها الى شدة الانخفاض في حالة الثقوب السوداء العملاقة وشديدة الارتفاع على عكس حالة الثقوب الصغيرة. فحسب قوانين الطبيعة، فان أي جسم مادي تزيد درجة حرارته عن قيمة الصفر المطلق يكون جسما مشعا وعلى هذا الاساس فالثقوب السوداء اجرام كونية مشعة.

ويرى آخرون أن الثقوب السوداء عندما تنفجر فانها تفقد جزءا من كتلتها في صورة طاقة اشعاعية وبمرور الزمن تنقص أحجام الثقوب السوداء وكلما نقص حجمها زادت كثافة اشعاعاتها وهذا النقصان في حجمها يؤدي الى انفجارها واختفائها. ولكن ترى ماذا يحدث بعد اختفاء الثقب الاسود؟

يرى العلماء أن هناك نقطة شاذة سوف تختلف عن الانفجار عبارة عن نقطة مادية صفرية الابعاد لا نهائية الكثافة. وان كان الدكتور ستيفن هيوكينج له راي آخر في مسالة ماذا يحدث بعد الانفجار فهو يرى أنه بالفعل اذا ما انفجر الثقب الاسود فانه سيختفي تماما بما في تلك النقطة الشاذة الى عام آخر. أما بقايا الانفجار فستشكل في صورة نفق أو قناة تصل عالمنا بالعالم الاخر الذي انتقل اليه الثقب الاسود. وقد اعتمد على نظرية جاذبية الكم والتي تصور أن هناك انفاقا تظهر وتختفي بصورة مستمرة في الفضاء الكوني وتقاس هذه الانفاق بمقياس لم يثبت صحته (مقياس بلانك) وهنا نجد أنفسنا ندور في حلقة مفرغة حول هل بالفعل نستطيع السفر الى الماضي. فانفجارالثقوب السوداء يذهب بنا الى عالم آخر لا نعلمه وينتظر منا الكثير لاكتشافه.


الوسوم

الدكتور حازم فلاح سكيك

د. حازم فلاح سكيك استاذ الفيزياء المشارك في قسم الفيزياء في جامعة الازهر – غزة | مؤسس شبكة الفيزياء التعليمية | واكاديمية الفيزياء للتعليم الالكتروني | ومنتدى الفيزياء التعليمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق