مقالات مجلة الفيزياء العصريةمواضيع العدد ٢٣

وحوش الكون

قبل عامين في حدث ربما هو الأضخم في القرن الواحد والعشرون، استمعنا لما يحدثنا به الكون، استمعنا إلى صوت الكون وكأنه يقول لنا ها قد نزلت عليكم أول قطرة من الغيث العظيم، فقد رصدنا صوتاً للكون لنبدأ باكتشافه شيئاً فشيئاً، إنها الأمواج الثقالية (أمواج الجاذبية) التي كانت أحد نتائج نظرية عازف الكمان الشهير إنه اينشتاين يا سادة!ّ!

فمن لم يسمع ذلك الصوت قبل عامين، فهنا دعوة ليرى بأم عينيه شيئاً من هذا الكون الفسيح ألا وهو الثقب الأسود أو كما يسمى بوحش الكون الذي لا يهرب منه شيئ بتاتاً حتى الضوء!!

كثيراً ما كنا نسمع عن الثقوب السوداء وأنها مكنسة الكون وتبتلع كل شيء لكن إنها نظرية لا شيء مثبت، هل رأى أحد ثقباً أسود من قبل؟ بالطبع لا وألف لا، قبل مائة عام افترض عازف الكمان وجود الثقوب السوداء في النظرية النسبية ولكن بقيت نظرية إلى أن وصلنا إلى يومنا هذا ولكن كيف رأينا شيئاً لا يرى!، وأثبتنا وجوده بالفعل، تلسكوب أفق الحدث يجيبنا.

من نجم مضيء .. إلى وحش مرعب

الثقوب السوداء تبدأ حكايتها من النجوم، فذلك النجم المضيء في السماء الذي يبعد عن ملايين السنين الضوئية، قد يصبح في يوم من الأيام ثقباً أسوداً، فالنجم بطبيعته تؤثر عليه قوتين قوة الجاذبية التي تدعوه للانهيار على نفسه وقوة التفاعلات النووية (وهي بالطبع الاندماج النووي) التي تصدر طاقة هائلة ضد الجاذبية، يبقى التوازن قائماً بين تلك القوتين حتى يأتي الوقت الذي يموت فيه النجم، في هذا الوقت بالتحديد النجم لا يستطيع الاستمرار في الاندماج النووي وبذلك يختل التوازن، فينهار النجم على نفسه بسبب الجاذبية المهولة، وهنا ينشأ في مركز النجم الميت نجم نيوتروني إذا كان حجم النجم صغير، أما إذا كان كبيراً ينشأ الثقب الأسود.

الثقوب السوداء أجسام كونية لديها كتلة فائقة وكثافة مركزة وبذلك تكون جاذبيتها مرعبة إلى حد كبير، لأنها تمزق نسيج الزمكان، أما محيطها يكون كل شيء يدور ويسخن لدرجات حرارة عالية كبيرة جداً.

عازف الكمان ينتصر مرة أخرى

منذ بداية النسبية العامة لم يصدقها أحد لأنها رفضت ما قاله نيوتن وتم إثبات خطأ نيوتن وصحة النسبية من قبل العالم الإنجليزي إدغنتون أما نتائجها كانت تفسير الكثير من الظواهر في كوننا العظيم، فبداية الانتصارات لعازف الكمان كان عند رصد أمواج الجاذبية كأن للكون صوتاً يسمع، وها هو ينتصر مرة أخرى عند الكشف أن أول صورة في التاريخ لثقب أسود حقيقي.

كأن الحياة تحاول أن تنصف هذا الرجل مرة أخرى، فتصوراته العلمية التي كان يتصورها وفقاً لنظريته النسبية العامة تثبت يوماً بعد يوم، كأنه واقف بيننا اليوم ينظر معنا إلى تلك الصورة التي تصورها قبل مائة 100 عن الثقب الأسود، صورة الثقب الأسود التي خرجت من عقل اينشتاين صمدت قرابة القرن حتى رآها كل من على الكوكب الأزرق.

قبل مائة عام تنبأ اينشتاين بالثقب الأسود، حيث قال أن المواد التي تقترب من الثقب الأسود ستدور في محيطه وتسخن لدرجات حرارة مخيفة وبذلك تصدر طاقة تتوهج مشكلة قرص مضيء حوله، وهذا ما رأيناه في الصورة التي التقطها تلسكوب أفق الحدث، وأيضاً قال عن الثقب الأسود لا شيء يفلت من جاذبيته حتى الضوء بسرعته الهائلة.

حيث أن للثقب الأسود منطقة تسمى “المنفردة” وأخرى “أفق الحدث” المنفردة هي مركز الثقب والتي ينهار فيها كل شيء، فقد قال عنها كيب ثورن أنها المنطقة التي تنهار عندها جميع القوانين الفيزيائية، أما المنطقة الثانية وهي أفق الحدث وهي محيط الثقب الأسود وهي المنطقة التي لا يستطيع شيء الإفلات منها، الصورة التي رأيناها هي لأفق الحدث وليست للمنفردة فالضوء المتوهج هو في أفق الحدث، حيث لا يمكننا رأيت شيء في داخل الثقب الأسود لأنه لا يخرج منه أي شيء ومهما حاول الضوء أو الصوت مثلاً الخروج من داخل الثقب فلن ينجح أبداً.

تخيل أنك في سيارة تسير في الطريق وفجأة رأيت إعصاراً شديد يقترب منك، في هذه النقطة يمكنك الرجوع والابتعاد، ولكن إذا اقتربت منه شيئاً فشيئاً سيبدأ بسحبك نحوه لأنك في محيطه، شيئاً فشيئاً ستبدأ كأنك عاجز عن الرجوع حتى تصل لنقطة لا تستيطع فيها العودة وهذا هو أفق الحدث.

بحيث إذا دخلت في أفق الحدث للثقب ستصبح عاجزاً عن الابتعاد عن مركز الثقب.

الراديو القديم .. والثقب الأسود

انظر إلى ذلك الجهاز الذي عفى عنه الزمن في ظل التطور التكنولوجي الذي نحن فيه، إنه الراديو القديم يا سادة، وظيفته الأساسية هي التقاط إشارات الراديو من المحطات الإذاعية، فكلما كبر حجم الراديو واللاقط الخاص به، التقط الترددات الضعيفة للمحطات الإذاعية، وهنا الفكرة العظيمة التي اكتشف من خلالها أعظم إنجاز في القرن الحالي.

تلسكوب الراديو المستخدم كبير جداً بحيث أنه سيرصد ثقباً أسوداً يبعد عنا مسافة 55 مليون سنة ضوئية (ماذا؟ سنحتاج لتلسكوب بحجم الأرض لرصد موجات بهذا البعد) لكن نجح الرصد بفكرة عظيمة كانت عبر توزيع تلسكوبات كبيرة جداً على مناطق مختلفة من الأرض،جميع التلكسوبات تعمل في نفس الوقت مع بعضها البعض وكأنها تلسكوب واحد ضخم، وكل تلسكوب يلتقط جزءاً من بسيطاً من أمواج الراديو الناتجة من القرص الذي يدور حول مركز الثقب الأسود.

وبعد تجميع كم هائل من البيانات من التلسكوبات الموجودة في المناطق المختلفة على مر السنين، تم الوصول إلى صورة للقرص المضيء حول الثقب الأسود، تخيل أنك تجمع قطع لعبة الأطفال “البازل” في النهاية سيظهر الشكل بعد تجميع كل القطع، والبيانات هكذا تم تجميعها بواسطة أجهزة حاسوب معقدة وتم تصوير الصورة النهائية لهذه البيانات، قرص مضي حول ثقب أسود مرعب.

ما بعد وحوش الكون

فتخيل نفسك أنك تمر في منطقة مليئة بالحيوانات المفترسة، وفجأة رأيت أحدهم يحدق في عينيك، فأنت هنا تنظر إلى الموت بحذ ذاته، وهكذا هو الثقب الأسود لو افترضنا مرور كوكبنا بجانبه واقترب منه سيبتلعه وكأنه لم يكون هناك كوكب جميل اسمه الأرض.

بما أن عازف الكمان قد انتصر مرة أخرى، فلو كان بيننا يحق له أن يفتخر بأنه أعظم عقل في تاريخ العلم، فمن نظريته النسبية العامة ها نحن نكتشف الكون شيئاً فشيئاً، وكما قال كارل ساجان “نحن الكون وهو يحاول استكشاف نفسه”، فكل ما اكتشفناه في كوننا لا يوحي إلا بشيء واحد هو أن العلم على حق وليس خرافة، ولكن من زمن لزمن تختلف الأدلة والأدوات، فقبل قرن كان يعتقد أن الثقب الأسود كان خرافة ولم يصدق أحد عازف الكمان، والان أصبح حقيقة مثبتة، بعد سنين من بناء التلسكوبات وجمع البيانات من الباحثين، فلا شيء يأتي من دون جهد، فاكتشافنا للثقب الأسود سيفتح آفاق كبيرة لاكتشاف هذا الكون العظيم.

حسني حاتم ابوشباك تخصص فيزياء – جامعة الازهر – غزة

https://www.facebook.com/hatemthaerr

الوسوم

أ./ حسني حاتم ابوشباك

تخصص فيزياء – جامعة الازهر – غزة

تعليقك على المقال:

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق