page contents
مقالات مجلة الفيزياء العصريةمواضيع العدد ٢٣
أخر الأخبار

ميلاد الكم على يدّ بلانك

ميلاد الكم على يدّ بلانك

أتعرف لماذا لا نتمكن نحن بنو البشر من حل الألغاز النهائية في الكون؟ السبب بسيط وهو أننا أنفسنا في النهاية نمثل جزء من ذلك الكون، وبالتالي نحن جزء من اللغز والمعضلة التي نحاول حلها، نحن ببساطة لا نملك لا القوة ولا الحق لافتراض وجود ولا حتى بقاء فضلا عن سرمدية ما إكتشفناه من قوانين بلانك وهو وجودنا في الكون والغموض الذي يلفنا فيه.




نبذة عن العالم بلانك

 ميلاد الكم على يدّ بلانك ولد بلانك الفيزيائي الالماني وهو الذي وضع أول لمسات نظرية الكم بوضعه لقانون إشعاع الأجسام السوداء في مدينة كييل شمال ألمانيا.

بلانك الذي كان ناجحا في دراسته الاولية كان بارعاً أيضاً في شيء آخر وهو عزف البيانو، حيث كان له حس نغمي متميز وبرع بعزف مقطوعات شوبرت وبرامز.

دخل بلانك جامعة ميونيخ وسرعان ما أُعجب بالفيزياء والرياضيات ونما ولعه بهما، كان محباً للنقاش كثير الأسئلة طموحاً في تفكيره وتطلعاته حتى حاوره أحد أساتذته يوما بأن حقل الفيزياء حينذاك أوشك على التمام ولا جديد يُكتشف بعد نيوتن وكبلر فلقد اوشكت قوانينهما على الكمال ولا أحد يتوقع المعجزات في تغيير هذا الكيان الرياضي المتماسك البديع.

من هُنا بدأت نقطة انطلاق بلانك واصراره على تعلُّم الفيزياء والرياضيات وعشقه الفطري لهما لم يمنعه من كبح جماح طموحه نخو التغيير والأفضل حبه للفيزياء والرياضيات جعله يصف نفسه في كتابه الشهير سيرتي العلمية واوراق اخرى حيث قال: في داخلي حدس يؤمن بأن التفكير المنطقي البشري لا بد وأن يتطابق مع مجمل الظواهر والاحداث التي نستلمها ونستشعرها من العالم حولنا والتي نعيش وتؤثر فينا ولهذا أنا على يقين بإمكانية هذا المنطق على أن يفتح لعقولنا الدرب لفهم ميكانيكية هذا الكون من حولنا.

استمر بلانك بجامعته وقابل واستمع الى الاستاذ الشهير كرشهوف ووصفه بالمحاضر الممل!

وواضب على دراسة بحوث كلوزيس في الديناميكا الحرارية وفُتن بها لدرجة أنه أخذ الدكتوراة ببحث حول القانون الثاني للنظرية الميكانيكية في الحرارة. وعين استاذً فوق العادة في جامعة برلين .

ميلاد الكم 

ولدت النظرية الكمومية عام 1900 عندما أربكت الفيزيائيين ظاهرة عرفت “بإشعاع الجسم الأسود” كان الفيزيائيون غير قادرين مثلاً على تفسير لماذا يحمّر القضيب الفولاذي اذا تم تسخينه إلى درجات حرارة عالية ثم يتوهج وينقلب إلى الأبيض، ولماذا تحمر الحمم البركانية وتتوهج لدى اندفاعها من بركان ثائر.

لم تستطيع النظريات القائمة في ذلك الوقت على تفسير والتنبؤ بلوني التوهج الأحمر والأبيض، تلك النظريات كانت ترى في الضوء ظاهرة موجية يمكنها الإهتزاز بأي تردد، لا بل إن التنبؤات انطوت على ضرورة انطلاق طاقة اشعاعية لا نهائية عند الترددات العالية، الأمر الذي كان مستحيلاً، وعرفت هذه المشكلة بكارثة فوق البنفسجية اي الترددات العالية، وجد بلانك حلاً لهذه المشكلة “الكارثة” عندما كان استاذا في جامعة برلين حيث كانت تجرى أدق التجارب في حقل اختبار الجسم الأسود حينما اطلعه صديقه روبنز عن اخر مكتشفات الحقل، بعد هذا تبين لماكس بلانك انه يستطيع صياغة معادلة باستخدام حيلة رياضية بسيطة تفسير معلومات روبنز، وفي غمرة ابتهاجه، أرسل بلانك لروبنز بطاقة بريدية يخبره فيها بنبأ اكتشافه.

عندما قدّم التفسير لجمعية برلين للفيزياء بمحتوى إنجازه كان بالغ التواضع غير متأكد بما يترتب على نظريته، تضمنت أفكاره على أن الإشعاع لم يكن موجي الطبيعة بشكل كلي كما كان الفيزيائيون يعتقدون، بل هو انتقال الطاقة في مجموعات “رزمات” منفصلة ومحددة، لقد عمد بلانك إلى توظيف هذه الرزم وأسماها “الكمات quanta”، ولأول مرة لتفسير تصرف الطيف للإشعاع من خلال تطبيق وموالفة المنحنيات التي توصل إليها مع البيانات التي وجدت بالتجربة وسرعان ما تمكن من اشتقاق قانونه بطريقة علمية لا يرقى إليها الشك بتطبيقه لبعض التحوير على حسابات الطاقة لكل طول موجي مؤثر في الفراغات التي سبق لكارثة رايلي وجينز دراستها.

عبقرية بلانك تلخصت بافتراض ان يكون هذا القصور في الترددات العالية يكمن في الجدران الداخلية للاجسام السوداء على شكل كمّات بقيم رقمية صحيحة (nhf) حيث n رقم صحيح كمي وf قيمة الكمة الناتجة عن المذبذب وh ثابت بلانك. وتكمن عبقريته ايضا في ان هذه المذبذبات تبعث الطاقة وتمتصها على شكل كمّات ايضا.




أثمرت جهود بلانك الى منصة استلامه لجائزة نوبل في عام 1918 ايضا تمكن من حساب قيم ثابت بلانك h وهو ثابت استعمل لتوصيف مقادر الكمّة في نظرية الكم واول استعمال له كان كثابت تناسب بين طاقة الفوتون ومقدار ذبذبته كموجة وتسمى معادلة ربط الطاقة بالذبذبة بمعادلة بلانك-اينشتاين.

وثابت بولتزمان k ثابت فيزيائي مسؤول عن ربط علاقة الطاقة مع الحرارة ويساوي حاصل قسمة ثابت الغاز R على عدد افوجادرو NA.

اما اليوم فيحتفل الفيزيائيون في كافة أنحاء العالم بميلاد فيزياء الكم وذلك بالرابع عشر كانون الاول 1900.

لقد مثلت نظريته وافكاره في حينها رأس قمة جبل الجليد الذي يخفي الجبل الأعظم من حجمه وتحت الاعماق بعيدا عن النظر قيمته.

بدء عصر جديد

وقد دعي لتفسير ذلك أمام الملأ عندما نال جائزة نوبل، وجاء في خطابه أمام لجنة الجائزة: “لعل من المفارقة أن أضعكم سادتي الأفاضل أمام خيارين لا ثالث لهما، الأول أن يكون موضوع الكم الذي أسوقه إليكم ضرباً من الخيال وشطحة من شطحات الزمن وعندها سنرمي كل هذه النظرية في سلة الوهم أو أن أستمر بعملي وأستخدم هذه النظرية في اشتقاق قوانين الاشعاع باعتبارها حقيقة، وإذا ما صحت الفرضية الثانية فمن واجبي أن انبهكم إلى أن هذا المفهوم لا بد وان يلعب دورا في الفيزياء، وهنا أحذركم أيها السادة بأن كل ما عرفناه من فيزياء قبل اليوم ومنذ ان فتحنا اعيننا على افكار نيوتن والتي حتمت علينا مبدأ الاستمرارية والمسببات سينهار! وكما سأشهدكم أن هذه الفكرة ستحدث زلزالاً هائلاً واختم بالاعتذار منكم لعدم سماحي لكم للاختيار فاليوم هو الفيصل لقبول مبدأ التقطع في الزمن والامواج والوجود بالقول أن التجارب حسمت موضوع الاختيار للاحتمال الثاني والى الابد”.

تأكيد من طرف غير متوقع

لف الغموض معادلات بلانك حتى جاء اينشتاين وأثبت أنه بالامكان إزالة الغبار عن عبقرية بلانك، حيث قدم اينشتاين لنموذج علمي لانتقال وانبعاث وامتصاص الضوء وإعادة توصيفه على شكل وحدات محددة اسماها الفوتونات من خلال الظاهرة الكهروضوئية التي استخدم فيها ثابت بلانك، فلو كان الضوء جسيما يخضع لقانون بلانك لوجب ان تقتلع الالكترونات من ذرات السطح المعدني مولدة الكهرباء.

ميلاد الكم على يدّ بلانك

لم يمض وقت طويل حتى نال اينشتاين جائزة نوبل على ظاهرته 1921 وبذلك اول من ادرك بأهمية وضرورة التمسك بنظرية الكم.

حيث اننا ننعم من خلال هذه الظاهرة الكمومية بالعديد من التطبيقات حيث لولا هذه الظاهرة لم يكن التلفزيون موجوداً، وتستخدم الات التصوير التلفزيونية الاثر المذكورة لتسجيل الصورة على سطح معدني، يدخل الضوء من عدسة الة التصوير ليصدم السطح المعدني ويكون انماطاً كهربائية معينة تتحول فيما بعد لامواج تلفزيونية في بيتنا.

كان بلانك اول فيزيائي ساند وساعد اينشتاين في نظريته النسبية، حيث كثيراً ما كانوا يشاهدون اينشتاين وبلانك يعزفان الموسيقى الكلاسيكية بلانك خلف البيانو واينشتاين خلف الكمان.

خاتمة

تمنح قوانين الطبيعة دورا محددا لحدود ومفاهيم معينة ولكننا لا نعرف حقيقة هذه الحدود ولا أصلها، كل ما استطعنا معرفته عن تركيبها وإلى هذه اللحظة التي أكتب فيها هذا المقالة أنها عبارة عن حقول كمومية تمتاز بالدقة الكاملة والبساطة لأنها تحكم بالتماثل وتمتاز به أيضا، لكن هذه الحقول ليست من الأشياء التي نستطيع ادراكها بسهولة فلربما لا يكون لدينا خلفية عنها وكل مفاهيمنا الحالية عن الوقت والتركيب والطاقة والمادة سوف تعجز عند مستوى ً نحن لا ندركه، ولكننا بالمقابل تمكنّا من خلال هذه الحقول الكمومية من لمس الحقيقة المقبولة مع أنها غير كاملة.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق