مقالاتمواضيع العدد ٨

روى المتفيزق قصة مليارات من الجزيئات تتصادم مليار مرة بالثانية ثم يزعم أنها تعيش في سعة كبيرة!

مليارات من الجزيئات تتصادم مليار مرة بالثانية

هذه المشاركة من المقدمات التي يجب على طالب الفيزياء الإحصائية أن يلم بها في معرض دراسته لهذه المادة… في العادة ندرس النظرية الحركية قبل الولوج إلى العينات والتوزيعات الإحصائية سواء التقليدية أو الكمية …وتأتي هذه المادة تتمة للديناميكا الحرارية وبداية للفيزياء الإحصائية كما يعرف أصحاب التخصصلنبدأ في التفصيل.

نعلم أن من أهم فرضيات النظرية الحركية أن جزيئات الغاز (المثالي على الأقل) تكون متباعدة عن بعضها الأمر الذي يمكننا معه اعتبار أن حجم الجزيئات صغير جداً مقارنة بالحجم الذي تشغله… واليوم وفي موضوع مشابه نتحدث عن فكرة تبدو مناقضة للأولى وهي تحكي قصة عجيبة…

اعلانات جوجل

مليارات من الجزيئات تتصادم مليار مرة بالثانيةفي البداية نقرأ هذه القصة الطريفة… إن معنى أن المول من الغاز يحتوي على عدد أفوجادرو من الجزيئات (يعني نحو 6 ضرب 10 للقوة 23 من الجزيئات (هو أمر مهول … جد مهول… إن هذا يعني أن أي كمية مهما صغرت في تصورنا تعني ملايين وبلايين من الأفراد!!! (أقصد الجزيئات) الذين يتحركون في حركة دائبة عشوائية ومع ذلك نقول في المشاركة الأولى إن المسافة بينها كبيرة إلى الحد الذي نعتبر الإناء الذي يحتوي الغاز فارغاً إلا من انشغاله بحركة الجزيئات … يعني المسافة بين الجزيئات كبيرة جدا قياسا بحجمها) أقصد أبعادها)…

يعني خذ الهيدروجين مثلا… إن المول من الهيدروجين يعادل 2 جم وزنا وعلى ذلك لو أخذنا جزءا من عشرة آلاف مليار من هذه الكمية (2جم) من الغاز (يعني جزءان من عشرة آلاف مليار من الجم) فإن الجزيئات التي بداخله ستكون أكبر من سكان العالم كله!!!!!!!!!!!!!! وفي هذا إشارة إلى معنى جميل أحاول أن أبينه للطلاب عند دراسة الفيزياء الإحصائية وهو أن هذا العدد المهول يشي بضرورة استخدام المفاهيم الإحصائية والاحتمالات عند دراسة تصرف الغازات … وذلك أن هناك أخلاطا كثيرة واختلافات لا تحصى بين السرعات الفردية والاتجاهات والطاقات الأمر الذي يجب معه أن نستخدم التقريب والتوقع والاحتمال…

مليارات من الجزيئات تتصادم مليار مرة بالثانيةوالآن نقرأ القصة الثانية …إننا نعرف قانون الغازات العام… PV=nRT حيث n = N/A هي عدد المولات وهي تساوي العدد الكلي للجزيئات مقسوما على عدد أفوجادرو … وبذلك يمكن التعبير عن معادلة الحالة للغاز المثالي بالعلاقة: PV=NkT حيث k حاصل قسمة R على عدد افوجادرو والمعروفة بثابت بولتزمان…

دعنا نفترض أن لدينا 1 متر مكعب من الغاز في درجة حرارة 300 كلفن (27 مئوي) وتحت ضغط جوي واحد (لاحظ أن الضغط الجوي يعادل تقريبا 10 أس 5 نيوتن/متر مربع) … فإذا عوضنا في المعادلة السابقة سنجد أن:

PV=NkT ومنها N = PV/kT … احسبها ستجد أن: N=2.4 x 10^25 …  يا الله!!!!! إن هذا يعني أن عدد سكان المتر مكعب من الغاز (يعني الجزيئات بداخل هذا الحجم) يفوق عدد سكان العالم بألف ألف ألف ألف ألف ألف مرة!!!!!!!!!!

نعم كل هؤلاء يسكنون المتر المكعب … ونعم وبرغم ذلك يعتبر الفراغ المتاح كبيرا جدا بحيث يمشي الجزيء مسافات طويلة حتى يجد جزيئا آخر يصدمه… نعرف ذلك من معرفتنا بما يعرف بمتوسط المسار الحر والذي يمكن أن نعبر عنه بالمعادلة:

1  على (جذر 2 × العدد في المتر مكعب × مساحة الدائرة التي نصف قطرها هو قطر الجزيء نفسه)….

لا داعي هنا لإثبات ذلك …دعنا نأخذه مسلما به ونحسب المسافة التي يتحركها الجزيء حرا دون تصادم لنجد أنها تقريبا 10 للقوة -7 من المتر… وذلك عندما نعتبر أن سرعة الجزيئات حوالي 500م/ث وأن قطر الجزيئات في حدود 10 أس -10 من المتر … لا تمر على الموضوع بسرعة … إن هذا يعني أن الجزيء يتحرك مسافة تساوي قريبا من ألف مرة من طول قطر الجزيء كي يضرب جزيئا آخر !!!!!! وهذا أيضا من العجب…

دعنا نقرأ القصة مرة أخرى … إن لدينا جزيئات تتحرك عشوائيا وهي تعد بملايين مليارات المليارات في المتر المكعب ومع ذلك الازدحام المتبادر إلى الذهن فإن الجزيء يعاني كثيرا حتى يجد جزيئا آخر يتفاعل معه بالتصادم أو ربما ليقبله بعد عناء السفر!!!

اعلانات جوجل

وتظل القصة الثالثة وهي أيضا غاية في العجب …إننا لو قسمنا المسافة الحرة التي يمشيها الجزيء على سرعة الجزيئات فإننا نحصل على الزمن الذي يتحرك فيه الجزيء حرا… ولو عكسنا الزمن (زمن تصادمين في الواقع) فإننا نحصل على تردد التصادمات …يعني عدد التصادمات في الثانية … ولو ذهبنا نحسب ذلك فسوف نجد أن عدد التصادمات في الثانية الواحدة يقترب من… انتبه جيدا … قد لا تصدق !!! إنه يقترب من مليار تصادم في الثانية الواحدة … الله أكبر !!! مليار تصادم … نعم مليار تصادم…

والآن نقرأ القصة مرة ثالثة…

ملايين المليارات من المليارات من الجزيئات يسكنون في متر مكعب من الهواء مثلا … وكلها تتحرك حركة عشوائية ونتحدث عن مليار تصادم بالثانية ومع ذلك نقول إن سكان هذه المدينة يتحرك أحدهم مسافة تزيد عن (طوله) ألف مرة كي يلتقي بزميل آخر…

ما هذا العجب!!!

بقي أن أقول إن العطر الفواح من هذا العريس الذي مر قبل قليل بجانبنا من مسافة 20 مترا كان يجب أن يصلنا في أقل من 4 من مائة من الثانية لكنه لم يصلنا إلا بعد ثانيتين أو ثلاثة … وهذا لن يصبح الآن عجيبا إذا فهمنا أن الجزيء المسكين قد داخ سبع دوخات وهو يصطدم مليارات المليارات من التصادمات قبل أن يصل إلى أنوفنا لكي نهتف من قلوبنا : ليتنا نحن العرسان

د./ مازن العبادلة

قسم الفيزياء - جامعة الأقصى بغزة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى