مقالاتمواضيع العدد ٣

فيلسوف الكم

فيلسوف الكم

توني ليغيت T.leggett المتخصص في الكلاسيكيات الذي أصبح فيزيائيا يخبر ادوين كارتليدج E.cartlidge لماذا أيام علم الميكانيك قد تكون معدودة.

لدى توني ليغيت سؤالان يود طرحهما على جماهير الفيزيائيين.يتعلق الأول بتجربة الشق المزدوج باستخدام الإلكترونات المنفردة :هل يمر كل الكترون عبر أحد الشقين ليشكل نموذج التداخل؟

اعلانات جوجل

ويتعلق الثاني بتجربة شرودينغر الشهيرة مع قطة في صندوق: هل ستكون القطة بشكل مؤكد حية أم ميتة قبل فتح الصندوق؟ يميل الفيزيائيون الى الإنتباه عندما يسأل ليغيت سؤالا ما. وحتى قبل المشاركة في عام 2003 بجائزة نوبل لقاء اسهاماته الرائدة في نظرية النواقل الفائقة والسوائل الفائقة، فقد كان ليغيت حجة عالمية في تفسير علم ميكانيك الكم وكذلك في نواح أخرى تتعلق بفيزياء المواد المكثفة ودرجات الحرارة المنخفضة. أما الآن وبعد حصوله على شهادة نوبل فقد أصبح حضوره مطلوبا بشكل أكبر في المؤتمرات وحلقات البحث عبر العالم.

حينما سأل ليغيت هذين السؤالين في اجتماع الفيزياء للعام 2005 في جامعة وارويك الذي انعقد في أوائل هذه السنة أجاب الجميع تقريبا بـ “لا” على السؤال الأول، ولن نصف الحضور أجاب بـ “نعم” على السؤال الثاني.

ويقول ليغيت إن هذه الإجابة معقولة الى حد ما وتوضح التناقض الموجود في صميم علم ميكانيك الكم اذ كيف يمكن لكيانات مجهرية (مكروسكوبية) مثل الالكترونات والفوتونات أن توجد في حالتين مختلفتين في نفس الوقت (حالة تراكب)، في حين تظهر أجسام يومية مثل القطط موجودة في كل زمان بحالة واحدة جيدة التحديد؟

يكمن الحل الأكثر قبولا لهذه المسألة في ظاهرة نزع الترابط، وبكلمات أبسط عندما يتجاوز شيء ما حجما معينا ،فإن تأثراته مع الوسط تمحو صفاته الكمومية .لكن ليغيت لا يقبل بهذا، فهو يقول: “لسنا مخولين أن نؤول الشكلية الميكانيكية الكمومية لدى انتقالنا من المستويات المجهرية الى المستويات العيانية لمجرد أن الدليل الموجود لدى المستوى الأول لم يعد موجودا لدى المستوى الثاني”.

ولم يعر اهتماما لفكرة وجود عدد لا محدود من الأكوان نابذا التأويل المتعدد العوالم لميكانيك الكم باعتباره شكلا أخرق لبهرجة لفظية.

وعوضا عن ذلك فإنه يعتقد أن علم ميكانيك الكم إما أن يكون وصفا غير مكتمل للطبيعة أو أنه لا يتعدى “وصفة” رياضياتية mathematical recipe.

بدايات غير تقليدية:لدى ليغيت البالغ من العمر 67 سنة خلفية متميزة غير عادية لفيزيائي رائد. فبالرغم من أن والده اضطلع بتدريس الفيزياء و الكيمياء و الرياضيات في إحدى المدارس ،لم يكن لدى ليغيت أي اهتمام بالفيزياء في شبابه . فهو يقول “كنت أظن أن الفيزيائيين على الدوام أناس مهرة الأيدي مثل المهندسين في حين كنت أخرق اليد جدا”. وعوضا عن ذلك ركز ليغيت على الكلاسيكيات (التاريخ و الفلسفة) وتخرج بالدرجة الأولى من المتفوقين من جامعة اكسفورد للعام 1959. وعلى الرغم من أن الفلسفة كانت موضوعه الأقوى، لم يستطع ليغيت أن يتصور لنفسه سيرة فيلسوف لأنه كان يشعر أن مادة الفلسفة تعتمد على صيغ العبارات أكثر من اعتمادها على معايير موضوعية. فتحول عوضا عن ذلك إلى الفيزياء وحصل على درجة علمية في هذا الموضوع بعد سنتين فقط بالرغم من أنه كان عليه إقناع الناس أن الانتقال بين الموضوعين لم يكن غباء كاملا.

لقد أثمر هذا الإقناع. فبعد حصوله على درجة دكتوراه من جامعة اكسفورد أمضى 15 عاما في جامعة ساسكس حيث أنجز بحثه حول نظرية السيولة الفائقة superfluidity  في الهليوم – 3 الذي حاز عليه جائزة نوبل قبل انتقاله الى موطنه الحالي (جامعة اليوني في أوربا شامبين) عام 1983. وتتضمن اهتمامات أبحاثه هناك الناقلية الفائقة في درجات الحرارة العالية و السيولة الفائقة في الغازات الكمومية والأسس المتعلقة بمفاهيم علم ميكانيك الكم.

يعتقد ليغيت أن إحدى طرق التوفيق بين القوانين الغريبة لعلم ميكانيك الكم وخبرتنا اليومية تتمثل في الإعتماد على التأويل “الإحصائي” لنظرية الكم.بعبارة أخرى،يمكن تبني فكرة كون نظرية الكم ليست وصفا للواقع الخارجي، بل هي مجرد أداة يمكنها تقديم تنبؤات دقيقة الى حد كبير لنتائج تشكيلة من التجارب . وعلاوة على ذلك ، ووفقا لهذا التأويل فإن أفكارا مثل سعات الإحتمال لا تقابل أي شئ في العالم الحقيقي .

اعلانات جوجل

لكن ليغيت يعترف أن مثل هذا التأويل غير مرض بشكل كبير وأنه يقبله بتردد.

وهو يقول أن البديل يكون بأن يحل محل علم ميكانيك الكم نظرية”حقيقية عيانية” تحافظ على تنبؤات علم ميكانيك الكم على المستوى الذري ،وتقدم آلية فيزيائية لتفسير السلوك العياني (الماكروسكوبي) . هذا وتتنوع تفاصيل هذه الآلية من نظرية الى أخرى إذتغني بعض نظريات علم ميكانيك الكم في حين تحاول نظريات أخرى أن تحل محله.

يعتقد ليغيت أنه سيكون من الممكن الاختيار بين علم ميكانيك الكم والبديل العياني الواقعي عبر قياس الخواص الميكانيكية الكمية للأجسام العيانية الواقعية. واذا استمر رصد تأثيرات التداخل الكمومي فوق مستوى معين للعيانية فعندئذ يثبت تبرير علم ميكانيك الكم . أما إذا لم يتم ذلك، فإن على الفيزيائيين حسبما يقول ليغيت أن يقبلوا وجود الحاجة الى نظرية الاستبدال.لقد تحقق إنجاز العديد من التجارب على هذين المسارين فأظهرت مجموعات مختلفة تراكبات تتدفق فيها تيارت تحتوي 10^9 من الالكترونات في اتجاهات متقابلة حول دارة ناقلية فائقة في آن معا ، بينما لاحظ آخرون تأثيرات تداخل كمومي في تجارب تحوي جزيئات الكربون 70.

لقد اجتاز علم ميكانيك الكم جميع التحديات حتى الآن ويعتقد ليغيت أنه يمكن لأشكال نظيرة أكثر تعقيدا من هذه التجارب أن تستبعد خلال 10 – 5  سنوات النظريات العيانية الواقعية الحالية. ويبين أنه ما دامت القطة تحتوي تقريبا 10^24 من الجسيمات وحيث انه جرى رصد حالات تراكب ذات 10^9 من الإلكترونات فإن السلوك الكمومي يكون قد رصد لدى ما يقرب من 40% من المستوي الماكروسكوبي ولو على مقياس لوغاريتمي.

وحتى إذا لم تتوافق تجارب المستقبل مع تنبؤات علم ميكانيك الكم فإن ليغيت يظن أن الكثير من الفيزيائيين سيترددون في قبول النتائج وسيفضلون البحث عن أخطاء في التجربة وليس في النظرية . ويقول في هذا الصدد: “سيمر جيل قبل أن يتم إقناع الناس حقيقة”.

حرية ارتكاب الخطأ :يبقى أن نرى في ما إذا كانت أية نظرية عيانية واقعية تصمد أمام اختبار الزمن . على أية حال لقد كانت هناك إمكانية لتعريض النظريات و الأفكار لاختبارات تجريبية كانت في البداية قد جذبت ليغيت إلى الفيزياء النظرية وليس الرياضيات التي فكر في الانتقال باتجاهها يوم كان في الجامعة . وهو يقول: “شعرت أنك إذا أخطأت في الرياضيات ، فذلك يعني أنك غبي”،”لكنني أردت أن أقوم بأعمال حدس غير تافهة بالنسبة للعالم وألا أعتبر غبيا.

ومن الممكن في الفيزياء أن تقوم بأعمال حدس بالنسبة للعالم تبدو في حينها مستحسنة جدا ولكنها لا تطابق فعليا الكيفية التي تنظم العالم” .

اعلانات جوجل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى