مقالات مجلة الفيزياء العصريةمواضيع العدد ٢٣

عندما عزف اينشتاين لحن الفيزياء

ما يميز علم الطبيعة بكل فروعه هو أنه قابل للتغيير، فلا تكاد تصمد النظريات مع مرور الزمن حتى يأتي ما يثبتها أو يضحضها، فإما أن تتحول إلى مسلمات أو أن تكون في عداد الموتى، وفي مقالي هذا سأخوض في حياة رجل عزف على كل الأوتار الممكنة في علم الفيزياء، فتارة تجده يعزف على الألحان الكلاسيكية وتارة تجده يعزف على الألحان الفيزيائية (المعادلات الفيزيائية)، ولكل لحن من أولئلك له رواده، فالكلاسيكية يكفي أن تذكر بيتهوفن، والفيزيائية إنه اينشتاين يا سادة، هذا الرجل الذي غير اللحن الفيزيائي الكلاسيكي إلى اللحن الفيزيائي الحديث، فقد تفوق على غيره من العلماء في تغييره لمنظورنا للكون عامة وللفيزياء خاصة، وهنا يمكننا أن نتحدث عن المعضلات الثلاث التي أصولتنا إلى ما نحن عليه في حياتنا اليومية، إنها معضلات الفيزياء الأشهر والتي عجز عن حلها الكثير فمنها ما بقي لثلاث قرون حتى جاء ألبرت وحلها بالطبع.

نيوتن وماكسويل، معضلة الثلاث قرون

من منا لا يعرف إسحاق نيوتن وما قدمه للبشرية، فالكثير يعتبره من أسس علم الفيزياء وعلم التفاضل والتكامل، فهو الذي اكتشاف الجاذبية الأرضية ووضع قوانين الحركة الشهيرة التي تصف كل الحركات التي ترى بالعين المجردة على وجه هذا الكوكب، فبين محاولات السير إسحاق في تخليد اسمه في التاريخ الإنساني (الذي خلده بالطبع)  كان له مع الضوء حكاية طويلة مليئة بالصراعات (كعداوته التاريخية مع هوك) فهو أول من اقترح التفسير الجسيمي للضوء أي أن الضوء عبارة عن جسيمات، ماذا ماذا؟؟ هذا ما قاله بقية العلماء بعد هذا التفسير، والسير يرد بقوة لقد نجحت النظرية الجسيمية بتفسير ظواهر الضوء الانعكاس والانكسار، فكان الجميع في صف إسحاق نيوتن إلا أن جاء يونغ وقدم تجربة التداخل والحيود، فقال أن الضوء له طبيعة موجية أي أن الضوء عبارة أمواج وليس جسيمات كما قال نيوتن، فهذه كانت الضربة الأولى لأصحاب الفكر الجسيمي، (الفريق الأول لم يعلن الاستسلام بعد) فقد سألوا السؤال الأشهر كيف ينتقل الضوء إذاً ؟؟ (التعادل في الضربات كاد أن يأتي لكن الفريق الثاني كان على أتم الاستعداد) نعم إنه الأثير !! الوسط الذي يملأ كوننا، هذا كان الجواب الذي أعلن هزيمة نيوتن ورفقائه وانتصار يونغ ورفقائه، لكن كانت هناك ضربة أخرى في جسد ذلك الميت وهو ماكسويل والمعادلات الأربعة عن الكهرومغناطيسية وإثباته لسرعة الضوء، وبذكرنا للكهرومغناطيسية لا يمكنني أن لا أذكر العبقري مايكل فاراداي الذي أقترح الموجة الكهرومغناطيسية، وهنا جاء هيرتز الذي أراد توجيه ضربة ثالثة ولكنه بدلاً من ذلك قلب كل شيء رأساً على عقب وأصبحت النظرية الموجية وماكسويل في خطر، بعدما استطاع توليد تيار كهربائي بعد تسليط الضوء على صفيحة معدنية وهو ما عرف بالظاهرة الكهروضوئية التي فشلت الفيزياء الكلاسيكية بشكل عام وماكسويل ورفاقه بشكل خاص بتفسيره، فتحول الضوء إلى معضلة وليس فقط مشكلة (جسيم أم موجة) حتى جاء عازف الكمان ألبرت ليعزف معزوفته الأولى في الفيزياء في عام 1905 الذي تغير في وجه العلم للأبد واقترح الحل الأشهر للظاهرة الكهروضوئية والتي حصل بناءاً عليه على نوبل، فقد اقترح اينشتاين أن الضوء عبارة عن جسيمات وهي عبارة عن كمات من الطاقة تسمى فوتونات تسير بالسرعة التي اثبتها ماكسويل، وللتقريب أكثر تخيل سيارة تسير بسرعة الضوء فستجدها تتحرك كموجة رغم أنها جسم مادي، فاقتراح اينشتاين الثوري أن الضوء له طبيعة مزدوجة (جسيم وموجة) كان عليه الكثير من الانتقادات حتى من ماكس بلانك الذي استخدمه اينشتاين مبدأه في تكميم الطاقة، لكن بعد مرور الزمن أثبت الظاهرة وأثبت اقتراح اينشتاين وحصل على نوبل، وأصبح الضوء عبارة عن فوتونات ( أي كمات من الطاقة) وتلك كانت معزوفة اينشتاين الأولى.

نيوتن والجاذبية ، أن تكتشف شيء ولا تعرف ما هو

نعود إلى نيوتن الذي خسر في صراعه الأول، ليحاول مرة أخرى في صراع اعتقد الجميع أنه حسم له لعدم وجود منافسين، إنه صراع الجاذبية فعند ذكر الجاذبية يذكر اسم نيوتن بجانبها بكونه هو من اكتشفها سواء كانت بالتفاحة أو القمر لا يهم ذلك بما أنه اكتشفها في النهاية، لكن نيوتن كان فضولياً جداً فقد سأل سؤالاً حيره لفترة طويلة من حياته قبل أن يصبح مختلاً عقلياً بالكامل، ما هي الجاذبية؟؟ سؤال بسيط جداً كبساطة سؤالنا عن ما الفرق بين الشحنة الموجبة والسالبة (من يجد جوابه فلا تنساني) سؤال بسيط لكنه معقد إلى أبعد الحدود وتناقل السؤال جيل من بعد جيل ولكن هل من إجابة، للأسف لا يوجد، حتى جاء عازف الكمان مرة أخرى ليضرب من جديد!! (يا لك من عازف رائع) إنها النسبية العامة يا سادة، فقد اقترح عازف الكمان أن الكون عبارة نسيج من الزمان والمكان وأطلق عليه اسم الزمكان، والجاذبية هي هذا النسيج كيف ذلك ؟؟؟ تخيل معي كرة و غطاء ، قم بوضع الكرة في منتصف الغطاء سينحني الغطاء ويصبح في الغطاء جويف الموجودة فيه الكرة، أترى ذلك التجويف هذه هي الجاذبية، فتخيل معي الأرض في نسيج الكون تقوم بالتجويف بسبب كتلتها والقمر يوجد في داخل ذلك التجويف يدور حول الأرض وما يمنعه من السقوط هي قوة الطرد المركزي التي اقترحها نيوتن، يا لها من فكرة عظيمة، لكن كيف للعقل البشري تصورها أو تصديقها حتى !! فجاء الرفض التام لهها لكن عازف الكمان يشهد له العدو قبل الصديق بعبقريته فكان إدنغتون من المملكة المتحدة المعادية لالمانيا في ذلك الوقت، الذي أقتنع بما قدمه اينشتاين وأقنع الجامعة بتمويله لرحلة إلى جنوب أفريقيا لرصد كسوف الشمس وهنا كانت المفاجأة فوفقاً لحسابات اينشتاين والنسبية الجاذبية تؤثر على سلوك الضوء الصادر من النجوم، فقد رصد انحراف في أشعة الضوء الصادرة عن أحد النجوم نتيجة جاذبية الشمس، وبذلك كان إثباته للنسبية العامة وهو كان سبب لشهرة اينشتاين الواسعة، ولم ينتهي الحد إلى هنا فقد انتصر اينشتاين مرة أخرى عندما رصد كيب ثورن وزملائه في مرصد الليغو أمواج الجاذبية التي اقترح اينشتاين وجودها قبل قرن من الزمان، وتلك كانت معزوفة اينشتاين الثانية.

اينشتاين وميكانيكا الكم، معضلة لم تحل!!

بعدما أصبح عازف الكمان أيقونة في ذهن كل من أراد أن يقدم نفسه للعلم، فلا أتعجب من تلك الطفلة التي أرسلت رسالة إلى اينشتاين وسألته هل أنت حقيقي؟؟ فما قدمه اينشتاين للفيزياء لا يصدق، وبعدما استطاع حل أشهر معضلتين في تاريخ الفيزياء في ذلك الوقت، جاء شرودنجر ومدرسة كوبنهاغن، ليبدأ صراع جديد في الفيزياء لم ينتهي بعد وباقي إلى يومنا الحالي، فقد انفصلت الفيزياء في بداية الثلاثينيات إلى مدرستين، مدرسة اينشتاين (التي أنا منها بالطبع) التي تعتمد على الحقيقة ومدرسة كوبنهاغن التي تعتمد على الشك، ومن أشهر علماء مدرسة كوبنهاغن هو إرفين شرودنجر الذي وضع المعادلة الأشهر لميكيانيكا الكم وهي معادلة شرودنجر (التي لا أحد يعرف من أين أتى بها!!)، معادلة شرودنجر التي تصف الجسيمات الذرية والتي يكون فيها الالكترون هو اللاعب الأساسي، وتصف هذه المعادلة السلوك الموجي للالكترون واعتمد بمعادلته على مبدأ الشك أو اللايقين لهايزنبيرج، فيقول شرودنجر أنه لايمكن التنبأ بمكان الالكترون أبداً وأن موجته هي عبارة عن أماكن تواجده، إذا ميكانيكا الكم هي عبارة عن احتمالات، فيحتمل أن يكون الالكترون هنا أو هناك (ما هذا يا شرودنجر؟؟) وهنا تدخل اينشتاين كيف يمكن أن يبنى العلم على احتمالات !! وقال جملته المشهورة عن ميكانيكا الكم ، إن الله لا يلعب النرد، أي لا وجود للاحتمالات في العلم، وبدأ الصراع بين اينشتاين وميكانيكا الكم، فكما وصف الفيزيائي شيلدون غولدشتاين مشكلة ميكيانيكا الكم ببساطة قائلاً : “عن أي شيء تتحدث تلك النظرية ؟؟”، رغم كل شيء نجحت الميكيانيا الكمية بوصف الكثير من الظواهر رغم تعقيدها بعد التطوير عليها من قبل العلماء كماكس بورن وغيره، وهو ما دفع اينشتاين لعدم الاستسلام وتقبل الهزيمة وقدم نموذج للنظرية الجديدة والتي سميت بالنظرية الموحدة، التي سعت للتوحيد بين النسبية العامة وميكانيكا الكم والتي بقي يعمل عليها حتى وفاته، وتطورت بعد ذلك حتى تحولت إلى نظرية الأوتار الفائقة.

المعضلة الثالثة التي ما زالت لم تحل

مع مرور السنوات بقي الصراع قائماً رغم وفاة مؤسسيه، وتارة يخرج عالم هنا يؤكد الأولى ويرد عليه آخر بتأكيد الثانية، وبقي الحل إلى هذا اليوم، ومع ظهور الثقوب السوداء والنظريات حولها بدأ الصراع يكبر ويكبر، لكن من وجهة نظري الإسلامية وبإيماني الكامل أن العقل البشري لا يمكن أن يدرك كل شيء اتجه لفريق عازف الكمان لأن الله عز وجل لا يخلق شيء عشوائياً أو عبثاً، ولأن الكون عبارة عن نظام محكم تحكمه قوانين هي بقدرة الخالق سبحانه وتعالى.

حسني حاتم ابوشباك تخصص فيزياء – جامعة الازهر – غزة

https://www.facebook.com/hatemthaerr

الوسوم

أ./ حسني حاتم ابوشباك

تخصص فيزياء – جامعة الازهر – غزة

تعليقك على المقال:

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق