مقالاتمواضيع العدد ٦

دروس من الطبيعة في النانوتكنولوجي

روابط إعلانية

دروس من الطبيعة في النانوتكنولوجي

ريتشارد فاينمان في إحدى محاضراته الفيزيائية قال: “لا يوجد ما يدل على انه لا يمكن فهم إن الكائنات الحية كلها مكونة من ذرات وفقاً لقوانين الفيزياء، نحن عبارة عن أكوام من الذرات يعاد ترتيبها وربطها بطريقة صعبة ومحددة. ربما تسمح قوانين الفيزياء لعدد محدود من العمليات والتفاعلات ولكن هذا لا يعني بالفعل ان تقنية النانو تستطيع ان تطبق وتستنسخ كل ما في الطبيعة، فهناك بعض المشاكل التي بدأت تظهر مع تطور هذا العلم مثل الخلاف الذي دب بين العالمين دريكسلر و سمالي حول التكوينات الجزيئية المشهور بـ (The Sticky and The Thick Fingers)  والتي اقترحها سمالي ليبدأ النقاش حول معوقات وعقبات تقنية النانو.

على الرغم من ذلك فالهدف الرئيسي هو التلاعب بالذرات بكل الطرق الممكنة والتي لا تتعارض مع قوانين الفيزياء والاستفادة مما نستطيع الإجابة علية من الأسئلة التي تدور حول عالمنا الحي.

منذ أوائل القرن العشرين أصبح هناك اهتمامات كبيرة بدراسة القوانين الفيزيائية مع بعض التغييرات التي أدى بعضها إلى ابتكار نظريات جديدة مثل نظرية النسبية لأينشتاين. وعلى هذا الامتداد فتكنولوجيا النانو اهتمت بكيفية تغيّر قوانين الفيزياء عندما تتغير الأبعاد الفيزيائية وتصل إلى ما بين 1-100 نانومتر. والسؤال هنا هو هل القوانين الفيزيائية متناظرة عندما تتغيرا لأبعاد؟ الإجابة على هذا السؤال كانت بالنفي من قبل جاليليو في كتابة: “On Two New Sciences”.

ولكننا اليوم نعلم ان خصائص المواد تعتمد على أبعادها على أساس انها ذرية في الطبيعة. إذا فتغيير الأبعاد الفيزيائية للمواد ينتج عنة خصائص ومميزات قد تكون مختلفة تماماً عن خصائصها كأجسام كتلية ضخمة. هذه الخصائص مجتمعة تعطي إمكانيات كثيرة تخدم كثير من التطبيقات التي عجزت المواد الكتلية عن عملها، فعلى سبيل المثال القوانين الكلاسيكية لم تعد قادرة على التحكم في الأنظمة الفيزيائية النانوية ولكن يظهر هنا خليط من القوى الكهربية والمؤثرات الكمية المسئولة عن سلوكيات هذه الأنظمة.

ليس هناك من جدل أن المكان الأنسب لفهم هذه الأنظمة النانوية هو داخل الخلية الحية حيث أنها عبارة عن مصنع نانوى يتم التحكم بكل محتوياتها بواسطة هذة القوى والقوانين الحديثة ولذلك فهي تعتبر نقطة البداية للتعرف على خفايا هذا العلم. داخل الخلية يوجد تجمعات جزيئية وأجهزة استشعار ومحركات منها الصلب ومنها المرن تقوم بالنقل والتوصيل والحماية ومهام أخرى وتتراوح أبعادها مابين 0.2-200 نانومتر (شكل رقم1).       لذلك فالخلية الحية لا يجب دراستها على إنها جسيم حي فقط بل تشترك فيها بقية العلوم منها الفيزياء والكيمياء والطب للتعرف عليها واستنساخ وظائفها وفيما يلي سوف نتطرق لبعض هذه الوظائف وكيفية الاستفادة منها لبناء أنظمة نانوية مشابهة سواء كانت حيوية أو غير حيوية.

روابط إعلانية

دروس من الطبيعة في النانوتكنولوجي

شكل (1)

مبادئ تقنية النانو في الطبيعة

المبدأ الأساسي هو بناء أنظمة نانوية تقوم بأداء وظائف محددة أو ما يسمى Nanomachines. قد طُوّر بواسطة علماء التقنية الحيوية يجدر بالذكر أن التكوين التصاعدي Bottom up من العليات الحيوية للبناء الذري والتلاعب بالذرات مثل عمل الإنزيمات. لذلك قام العلماء مثل (وايتسايدس) بتقسيم هذه العمليات إلى أربعة أقسام وهي:(1) الربط التساهمي المتتابع، (2) البلمرة التساهمية، (3) التنظيم الذاتي (4) التجميع الذاتي.

على الرغم من أن النهج المذكور هنا قد نجح بعض الشيء في تصميم وبناء جزيئات ذكية وبوليمرات شبيهة بالطبيعية إلا أن البناء الطبيعي يتفوق كثيراً في تصميم الأبعاد الثلاثية للجزيئات، باستخدام التكوين أو التجمع التلقائي Self-assembly.

هناك العديد من القوى والمؤثرات الفيزيائية التي تتحكم في عمليات التكوين التلقائي والتعرف التلقائي للجزيئات ومنها:

روابط إعلانية

(أ) قوى التشتت:

دروس من الطبيعة في النانوتكنولوجي

شكل (2)                                               شكل (3)

هذه القوى هي نتيجة مباشرة لتفاعلات كهربية نانوية، فعند الأخذ في الاعتبار عدد من الذرات في نظام معين فإنه لا يكون فيها عدد متساوي من الشحنات الموجبة والسالبة أو لا تكون موزعة بالتساوي كما في جزيئات الماء. في هذه الحالة فإنه سوف يكون هناك قوى كهربية متخلفة والتي تؤثر حصيريا على الأنظمة النانوية حيث أنها تتلاشى في الأجسام الكتلية بسبب تعادل هذه القوى.

(ب) قوى التنافر:

هذه القوى هي التي تعمل على مواجهة قوى التشتت حسب مبدأ باولي، فإذا كانت قوى التشتت تساعد نوعاً ما على تفاعل الجزيئات فيما بينها فإن قوى التنافر تحاول منع هذه الجزيئات من التداخل مع بعضها البعض. هنالك بعض القوى الأخرى تنتج من تفاعلات الجزيئات مع بعضها مثل القوى الناتجة من النفور من الماء وكذلك الناتجة من الروابط الهيدروجينية. من الأمثلة على هذه القوى هو ما يحدث للبروتينات من طي (شكل 2) وكذلك ما يحدث لجميع الجزيئات الغنية بالكربون (شكل 3).

كيف نتعلم من الأنظمة النانوية في الطبيعة:

هنا سوف نسرد بعض الأنظمة النانوية الطبيعية بشئ من التفصيل مع شرح عملها وإمكانية تطويرها أو تقليدها وإلى أي مدى توصل الباحثون إلى ما يطمحون للوصول إليه.

التجمعات النانوية Nanoassemblers

دروس من الطبيعة في النانوتكنولوجي
شكل 4

الرايبوسوم هو أشهر الأمثلة على هذا النوع فهو عبارة عن كيان معقد سوف يستغرق عدة سنوات للتعرف على تفاصيله البنائية (شكل4).  الرايبوسوم هو في الأساس عبارة عن آلة نانوية تحتوي على الكثير من الأسرار التي ربما تخدم ويعمل على بناء البروتينات التي لها تقنية النانو، حيث أنه يترجم البيانات المخزنة في (RNA)

حفظ البيانات وتشفيرها:

يوجد في الخلية جزئ حيوي هو المسئول عن حفظ الشفرة لبناء الأنظمة النانوية الحيوية داخل وهو عبارة عن نظام تخزين كثيف وفعال. الخلية والذي يعرف بالحمض النووي (DNA)

لذلك فإن هناك جهود عظيمة للاستفادة منها كأداة قوية في مجال علوم الكمبيوتر و العديد من الاستخدامات الأخرى.

أجهزة الاستشعار ومحولات الطاقة:

يوجد العديد من أنظمة الاستشعار ومحولات الطاقة في جسم الإنسان مثل المستقبلات الحيوية والمسئولة عن تحويل طاقة الفوتونات إلى إشارات البروتينية والمعروفة باسم أو بسين (Opsin) كهربية، كما أنها مسئولة عن مدى الرؤية في العين. هذا يعتبر مصدر إلهام وتحدي للتطبيقات المستقبلية المشتملة على أجهزة استشعار حيث أنه يمكن استخدام هذه الأنظمة بعد فصلها عن بيئتها الطبيعية.

من ناحية أخرى فإن التعرف التلقائي للجزيئات الغريبة عن الجسم والذي تقوم به بعض الجزيئات الحيوية كما في حاستي الشم والذوق يعتبر من الحقائق المذهلة التي ربما تكون قابلة للاستنساخ كأنظمة معزولة فما هي إلا عبارة عن بروتينات مستقبلة تتحد مع ما تتعرف عليه من جزيئات ثم تقوم بإرسال الإشارات العصبية إلى الدماغ ومن ثم تحليلها. يوجد اليوم دائرة بحثية واسعة لدراسة طرق عمل هذه الأنظمة وبناء أنظمة نانوية مشابهة تقوم بهذه المهام في أساط معزولة.

من الأمثلة على الكيفية التي يمكن أن تستخدم فيها تقنية النانو استشعار الأنظمة البيولوجية هو Otolith البلورية في استشعار الجاذبية الأرضية استخدام حاسة السمع.

في النباتات أيضاً هناك على سبيل المثال عملية التمثيل الضوئي والمعقدة جداً والتي يمكن التعلم منها في تحويل الطاقة الشمسية حيث أنه إلى الآن ومازال التطوير جاري في فعالية أشباه الموصلات لهذا الغرض. هنا تبدأ مهمة العاملين على تقنيات النانو لعمل تمثيل ضوئي اصطناعي محاكاةً لعمل النباتات، وفي هذا المجال فقد نجح البروفسور جراتزل هو وفريقه.

في تطوير نوع جديد من الخلايا الشمسية التي يقوم عملها على الصبغات الحساسة النانوية الواقعة بين الطبقات النانوية للسراميك.

وسائل إستكشافية:

قبل نصف قرن من الآن بعض العلماء مثل ريتشارد فاينمان قال بأنه إذا تمكنوا من معرفة ما يحدث داخل الخلية بالتفصيل فإنهم سيكونوا قادرين على التعلم منها واستخدامها. اليوم هذه الطرق والوسائل متوفرة وبالإمكان رصد كل ما يحدث داخل الخلايا الحية بكل سهولة والذي سمح للعلماء والباحثين تحليلها على المستوى الذري. يوجد العديد من الوسائل والتقنيات المتعددة الخصائص والمهام وسوف نقتصر على شرح بعض منها، فمن هذه التقنيات التي ظهرت مع ثورة تقنيات النانو ما يلي:

(1) مجهر المسح النفقي Scanning Tunnelling Microscope

دروس من الطبيعة في النانوتكنولوجي

شكل (5)

الذي يستخدم للكشفعن أسطح الترتيبات المكانية على الرغم من أنه قد لا يكون مناسب للمواد العازلة كهربياً، لذلك فإن استخدامه للبروتينات قد لا يعطي البيانات المطلوبة. شكل (5) يوضح ميكانيكية عمل هذا المجهر.

(2) مجهر القوى الذرية Atomic Force Microscope

والذي له استخدامات عديدة منها، قياس القوى الميكانيكية والكهربية بين جزيئات العينات والطرف المدبب للجسر الذي يستخدم في هذا المجهر والذي يبلغ قطر رأسه حوالي 5-20 نانومتر. هذا المجهر أثبت أنه قادر على الكشف عن الخصائص الخلوية وتفاعلاتها الداخلية بوضوح يصل إلى 0.1 نانومتر. هذه التقنية وطريقة عملها موضحة في الشكل (6،7).

دروس من الطبيعة في النانوتكنولوجي

شكل (6)                                            شكل (7)

(3) التصوير البلوري بالأشعة السينية X-Ray Crystallography

هذه التقنية تقوم بإعطاء أكثر معلومات يمكن الحصول عليها لتركيب وتنظيم الذرات حيث أن المعلومات الناتجة هي عبارة عن مخططات ثلاثية الأبعاد تعبر عن الكثافة الإليكترونية لذرات العينات ناتجة من حيود الأشعة السينية. شكل (8) يوضح عمل هذا الجهاز.

المستقبل والمعوقات:

دروس من الطبيعة في النانوتكنولوجي
شكل (8)

كما ذكرنا مسبقاً أن التحدي الذي يواجه العلماء والباحثون في مجال تقنيات النانو ربما يكون الفهم الوافي لوظائف الأنظمة الحيوية الدقيقة والذي يمكن أن يساعد في بناء أنظمة نانوية بشرية الصنع لها نفس الوظائف التي يمكن استخدامها في عدد من التطبيقات المستقبلية. يدخل ضمن هذا المجال هندسة وتعديل الخلية وأغشيتها التي سوف ينتج عنها العديد من الإنجازات العلمية مثل بناء أعضاء حيوية كاملة وإصلاح التالف من هذه الأعضاء حيث يعتبر الجينوم أو المخزون الوراثي من أهم النقاط التي يركز عليها الباحثون.

على الرغم من الجهود المبذولة والعمل الدءوب للسعي وراء هذه الإنجازات إلا أن هناك العديد من العقبات التي يجب أن تأخذ في الحسبان مثل العمر الزمني القصير لهذه الأنظمة وكذلك الثغرات الموجودة في كيفية التحكم بها والتي يتدخل فيها عدد من العوامل مثل درجة الحرارة والحموضة والملوحة، وليس هناك إلا واحد من خيارين إما السيطرة على هذه الأنظمة في هذه البيئات أو استحداث أنظمة جديدة لها القدرة على مقاومة هذه العوامل.

وأخيراً فإن تكنولوجيا النانو الحيوية موجودة منذ خلق الإنسان وتعتبر كذلك الأنجح، ولذلك فإنه لابد من التعلم منها وتطبيقها على الأنظمة الحيوية وغير الحيوية. فالتطورات المستقبلية في التصميم والتلاعب بهذه الأنظمة سوف يجلب الكثير من التحديات لهذه التقنيات المتناهية في الصغر على الرغم من وجود بعض الوسائل المتناهية في الدقة والمذكور بعض منها أعلاه.

المراجع:

  1. Donald Voet،Judith G. Voet،Biochemistry (John Wiley & Sons،1995).
  2. Mark Ratner،Daniel Ratner،Nanotechnology،a gentle introduction to
  3. the next big (Prentice Hall،2002)
  4. Richard Feynman،The Feynman Lectures on Physics (Addison-
  5. Wesley Publishing Company،1977 paperback edition)
  6. www.nanonet.go.jp
  7. www.rcsb.org
  8. Robert Kelsall،Ian Hamley،Mark Geoghegan،Nanoscale Science and Technology (Wiley،2005)

روابط إعلانية
الوسوم

د./ عطيه البردي

قسم الفيزياء - جامعة الطائف - المملكة العربية السعودية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
تحتاج مساعدة...
ارسل إلى الواتساب
إغلاق
إغلاق