page contents
مقالات مجلة الفيزياء العصريةمواضيع العدد ٨

حوار مع عنصر الراديوم

أعزائي الكرام … نرحب اليوم بعنصر مشع جديد يطل علينا بصولاته وجولاته وحتى مغامراته، كان يوما من الأيام سببا بإصابة إحدى أشهر علمائنا باللوكيميا (سرطان الدم) ووفاتها وهي ماري كوري … أظن أنكم عرفتموه، إنه السيد راديوم.




تمام: أهلا بك في حلقة جديدة من حلقاتنا، حبذا لو تكرمت وعرفتنا بنفسك؟

راديوم: بكل سرور عزيزي تمام، بداية أحب أن أشكرك على هذا الترحيب الجميل والمخيف في آن واحد، وبالنسبة لي فأنا عنصر مشع أتواجد في الطبيعة بتراكيز منخفضة جدا في القشرة الأرضية (حوالي جزء واحد من الترليون جزء). في حالتي النقية معدن أبيض –فضي اللون ثقيل، أتأكسد مباشرة عند تعرضي للهواء، وتبلغ كثافتي نصف كثافة الرصاص. أكون في الطبيعة بصورة أساسية بشكل راديوم -226 رغم وجود نظائر أخرى لي. (النظائر عبارة أشكال مختلفة من العنصر تحوي نفس العدد من البروتونات في النواة وتختلف في عدد النترونات).

تمام: أخبرنا متى تم اكتشافك وعلى يد من تم ذلك؟

حوار مع عنصر الراديومراديوم: نعم، نسيت أن أذكر ذلك، لقد تم اكتشافي في عام 1898م لأول مرة على يد من قمت بقتلها وهي ماري وزوجها بيير كوري، واستخدمت كأساس لتعيين نشاط العديد من النكليدات المشعة (حيث يساوي كوري واحد من النشاط معدل اضمحلال النشاط الإشعاعي لغرام واحد من الراديوم 226).

 تمام: باعتبارك تكلمت عن النظائر فحدثنا لو سمحت عن نظائرك وأشهرها؟

راديوم: لقد عرف لي 25 نظير حتى الآن، أشهرهاRa-226 وRa-228 ،إن الـ Ra-226 هو ناتج اضمحلال اليورانيوم 238 وهو السلف للرادون 222 ثم يضمحل الـ Ra-226  ببطء (عمر النصف 1600 سنة) مصدرا جسيم إلفا. أما عن Ra-228 فهو ناتج اضمحلال الثوريوم 232 وله عمر نصف (5.8 سنة) ويضمحل مصدرا جسيم بيتا.

تمام: معلومات جميلة حقا سيد راديوم، ماذا عن مناطق وجودك وكيفية الحصول عليك؟

راديوم: كما ذكرت لك سابقا، أتوزع بكميات قليلة في مساحات واسعة من القشرة الأرضية، أتواجد في جميع فلزات اليورانيوم والثوريوم، ويبلغ تركيزي في خامات اليورانيوم حوالي جزء واحد مني إلى ثلاثة ملايين جزء من اليورانيوم،وأستخرج من خامات اليورانيوم بالترسيب وبطرق كيميائية أخرى، لقد تم الحصول علي في الأصل من خام البتشبلند الذي وجد في بوهيميا، أيضا أتواجد بكميات قليلة في رمال الكارنوتيت في كولورادو، وأغنى خاماتي توجد في جمهورية الكونغو، و في منطقة البحيرة الكبرى في كندا، كذلك أتواجد في نفايات اليورانيوم وفي النفايات المشعة المختلفة المرافقة لفعاليات معالجة اليورانيوم السابقة.

تمام: أها … ماذا أيضا عن وجودك في الطبيعة؟

راديوم: حسنا … أكون بتراكيز منخفضة في التربة والصخور والمياه السطحية والجوفية والنباتات والحيوانات بنسبة جزء من الترليون جزء أو واحد بيكو كوري يالغرام (pci/g) وبتراكيز أعلى في خامات اليورانيوم والفلزات الأخرى. يكون تركيزي في النباتات بصورة عامة أكثر بحوالي 3%من تركيزي في التربة كما في الجوز البرازيلي وأكون في التربة الرملية بتراكيز أكبر بـ 500 مرة من تركيزي في المياه البينية (أي المياه الموجودة في مسامات التربة) وتبلغ سوية التلوث الناجمة عني في مياه الشرب حوالي pci 5 في اللتر كما قدرتها وكالة حماية البيئة.

حوار مع عنصر الراديوم

تمام: وصلنا للتلوث إذا وتأثيرك على البشر، كيف تدخل الجسم وماذا يحصل لك بداخله؟




راديوم: بالضبط عزيزي وصلنا للخطورة … وسأحدثك بالتفصيل عن ذلك، أنا أدخل الجسم عن طريق الطعام أو شرب الماء أو تنفس الهواء. لكن دخولي في الغالب يكون عن طريق الطعام وأطرح مباشرة عن طريق البراز (80%) والـ (20%) الباقية تدخل إلى الدم ثم أجزاء الجسم، أما عند دخولي عن طريق الاستنشاق فإنني أبقى عدة شهور في الرئتين ثم أدخل بالتدريج إلى الدم حيث يحملني إلى كل مكان في الجسم. طبعا أشبه في سلوكي الاستقلابي سلوك الكالسيوم لذلك أتوضع بنسب كبيرة في العظام والأسنان.

تمام: في العظام و الأسنان!!!

راديوم:نعم، لكن تتناقص كميتي في العظام بمرور الزمن إلى ما تحت الـ 10%  خلال أشهر قليلة وإلى 1% وأقل خلال سنوات قليلة أيضا. طبعا تحرر العظام مني بطيء حيث يبقى القسم المستنشق والداخل عن طريق الهضم في العظام طيلة حياة الإنسان.

تمام: بصراحة شدّني حديثك، وأريد أن أعرف أكثر عن تأثيراتك الصحية فلن أجد أفضل منك يخبرني عن ذلك

راديوم: حسنا فهمت مرادك أستاذ تمام، كما تعلم أن الجانب الخطر مني هو إشعاع غاما القوي المرافق لنواتج اضمحلالي قصيرة العمر. فلقد بينت الدراسات التي أجريت على رسامي المزاول الشمسية والكيميائيون الذين يستخدموني والتقنيون الذين تعرضوا لإشعاعي خلال المعالجات الطبية بالإضافة إلى التجارب على الحيوانات أن التعرض المزمن لي يمكن أن يحرض الورم الخبيث في العظام، حيث تبلغ فترة الكمون الدنيا سبع سنوات بعد التعرض الأول، إلا أن الأورام يمكن أن تستمر طيلة الحياة.

تمام: نسأل الله العفو والعافية، وماذا عن أخطار استنشاقك ومنشأها؟

راديوم: إن المخاطرة التنفسية ترتبط بشكل أولي بنواتج اضمحلال نظائري أي الرادون ذو العمر القصير، حيث يضمحل الراديوم 226 إلى الرادون الغازي 222 ويضمحل الراديوم 228 إلى الرادون 220، فينشأ الخطر الأولي من الرادون مع استنشاق نواتج الاضمحلال ذات العمر القصير والتي تكون على شكل أيونات مشحونة ترتبط بسرعة بالغبار، حيث تدخل إلى الرئتين وتتوضع على الغشاء المخاطي للمجرى التنفسي، وعندما تصدر جسيمات إلفا ضمن الرئة فإن الأغشية تتلف مسببة سرطان الرئة.

تمام: سيد راديوم أشكرك على هذا الاستطراد الرائع، لكن تبقى الآن أن تخبرنا عن استخداماتك بشكل موجز لأن الوقت أدركنا؟

راديوم: لا شكر على واجب يا عزيزي، أما عن استخداماتي فإن نظيري Ra226 هو الوحيد المستخدم تجاريا، فالاستخدام الرئيسي لي تاريخيا كان كمكون في الدهان المتألق المستعمل في أقراص الساعات والمواقيت والأدوات الأخرى،أما في الوقت الحاضر فأستخدم للمعالجة من قرب لمعالجة مختلف أنواع السرطانالمعالجة من قرب هي طريقة معالجة إشعاعية تستخدم فيها منابع محكمة تعطي جرعة إشعاعية من مسافة لا تزيد بضعة سنتيمترات من السطح داخل تجويف أو تطبيق بيني.

تمام: في ختام هذا اللقاء لا يسعني إلا أن أشكر ضيفي الكريم على حضوره الرائع وإجاباته الوافية والكافية والمعلومات الجميلة التي قدمها عن نفسه وعرفنا بها.

 وإلى عنصر آخر …. والسلام عليكم ورحمة الله

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق