page contents
مقالات مجلة الفيزياء العصريةمواضيع العدد ٢٣

بين مصابيح السماء




من منا لم ينظر إلى السماء ليلاً واستمتع بذلك المنظر الجميل، تلك المصابيح التي رتبت بأشكال استمتعنا بتسميتها منذ الأزل، من منا لم يعد تلك النجوم التي لولا ظلام الليل لما ظهرت بذلك الجمال، من منا لم يحاول أن يستمتع بمنظر قمرنا الذي كشف لنا الجاذبية، من منا لم يتساءل كيف نشأ كوننا وكيف ترتبت تلك النجوم ولماذا لم يسقط القمر ولماذا تلك النجوم مضيئة وكيف ولماذا…

“عشقت النجوم لدرجة أني لم أعد أخاف الليل” – جاليليو

تاريخنا الإنساني يشهد لكثير من الأشخاص أفنوا حياتهم في دراسة علوم الفلك ومحاولة تفسير الكثير من الظواهر التي تحدث في تلك السماء الزرقاء، فنحن كعرب أكثر أمة أبدعت في هذا العلم العظيم، فتارا نفسر ظاهرة هنا وتارة نطلق أحد أسمائنا العربية على أحد النجوم التي اكتشفناها، التاريخ يشهد لنا بذلك.

انظر إلى عروقك التي يسير فيها الدم الذي يأتي من القلب متجهاً إلى جميع أجزاء جسمك، بما فيها دماغك الذي يجعلك قادراً على قراءة هذا المقال، انظر بتمعن في ذلك الدم الذي يتلون باللون الأحمر بسبب احتوائه على الهيموغلوبين، الذي يتكون من 4 ذرات حديد، ذلك الحديد بالضبط الذي تكون في قلب تلك النجوم منذ آلاف السنين.

ما سأتحدث عنه في هذا المقال آخر ما وصل إليه العلم حالياً من نظريات وحقائق، ربما يكون هناك نظريات خاطئة لكن إلى الان لم نجد إلا ما يدعمها.

الانفجار الأول

بدأ كل شيء من الانفجار المخيف والهائل الذي حدث في الفراغ، من كتلة صغيرة كانت تحتوي على كل جسيم بدائي موجود في الكون بشكل مضغوط وبكثافة لا نهائية، صاحب الانفجار طاقة هائلة لا يستطيع أحد أن يتصورها وبعثرت تلك الجسيمات في كل مكان، وبدأ الكون بالتمدد بعيداً عن موضع بدايته، الكون إذاً مليء بالإلكترونات والجسيمات التي ليس لها كتلة (الفوتونات والنيوترونات وغيرهم)، بعد ذلك بدأ الكون يبرد وتقل كثافة الطاقة المخيفة مع التوسع المتواصل، مع البرودة (المقصود بالبرودة هنا الحرارة بدأت بالانخفاض لكن ما زال الكون حاراً) تكونت أول نواة وهي نواة الهيليوم وبدأت الذرات بالتشكل ولكن ذرات غير مستقرة بسبب الحرارة، ومع استمرار التبريد تبدأ الذرات بالاستقرار، ومن هنا تبدأ المرحلة الثانية تكوين النجوم والمجرات، مع استمرار التمدد والتبريد في الكون تتجمع الذرات مكونة غازات والغازات مكونة النجوم، وتجمع النجوم يكون المجرات وهكذا …، في قلب النجوم بدأت تتشكل الذرات الثقيلة نتيجة التفاعلات النووية.

مجرتنا العزيزة .. درب التبانة

جميع النجوم التي تكونت وبعد فترة من الزمن، منها ما يتحول إلى ثقب أسود يبتلع كل شيء، ومنها ما ينفجر وينشر بقاياه في جميع أنحاء الكون، وهكذا تكون مجرة درب التبانة، تحول نحم كبير إلى ثقب أسود وهذا الثقب الأسود يجذب كل شيء نحوه، وبذلك بدأ بجذب بقايا النجوم من ذرات وغبار وغيرها، وهنا تكونت نجوم جديدة نتيجة الدوران حول الثقب الأسود وانجذاب الذرات لبعضها البعض.

تخيل معي كرة من الثلج صغيرة موجودة في أعلى قمة جبل ثم تدحرجت هذه الكرة الصغيرة، كيف سيكون حجمها عن تصل لأسفل الجبل، بالتأكيد ستكون كبيرة للغاية وهكذا تكونت النجوم، دوران ذرات وتجمعها.

المجموعة الشمسية بدأت بالنجم الذي يمدنا بالحياة (الشمس)، ثم تجمعت الذرات والغبار الكوني مكوناً الكواكب التي نحاول استكشافها منذ الأزل.

القمر تكون نتيجة اصطدام أحد الكواكب في الأرض وانقسام جزء من الأرض ليدور حول الأرض.

من العصور القديمة إلى عصر اينشتاين وهابل

وأخيراً لقد وصلنا إلى الأرض من رحلتنا الشيقة في ماضي كوننا العظيم، بدايتاً من العصور الوسطى (الذهبية للمسلمين)، بدأ المسلمون بدراسة علم الفلك لارتباطه الوثيق بالدين الإسلامي، فقد طور المسلمون الكثير والكثير، فكان البيروني أول من شرح أطوار القمر في كتابه التفهيم، وما زالت الأسماء العربية موجودة على نجوم السماء كالنسر الطائر وغيرها، وطور المسلمون أدوات للرصد والإبحار، وهناك أكثر من 10 آلاف مخطوطة تخص علم الفلك كتبها علماء مسلمون موجودة في مكتبات العالم أجمع.

بذكرنا للمسلمين وإسهاماتهم في علم الفلك، يجب ذكر الفراعنة والأهرامات وارتباطها الوثيق بالنجوم، والحضارة الإغريقية واليونانية، والكثير من الفلاسفة مثل أسطو وغيره.

المشكلة الأساسية التي كانت حولها الآراء والنظريات في تصورنا للكون لدى الإنسان في جميع العصور هو هل الكون يتمدد بالفعل؟

هناك من قال إنه متمدد والبعض قال ثابت، وهذا يعود بنا لخطأ اينشتاين عندما كان يعتقد أن الكون ثابت ولا يتمدد حتى أنه اقترح وجود ثابت كوني، لكنه بعد ذلك نتيجة لحسابات النسبية العامة اتضح أن نظريته تدعم تمدد الكون، وبذلك تراجع عن اعتقاده وتم حل معادلته المسماة بالمجال في النظرية النسبية، حتى جاء إدوين هابل واستطاع رصد مجرات تبتعد عنا تبعث ضوءاً أحمر، وبذلك قطع الشك باليقين أن الكون يتمدد.

وتكريماً له تم إطلاق المرصد الأضخم على الأطلاق والذي هو عين الإنسان في الكون وسمي بمرصد هابل.

وفي عصرنا الحالي ظهر مصطلح جديد قد يدعو أي عاقل للجنون وهو الأرض المسطحة، وهناك أشخاص يدعمون هذا المصطلح، عند المسلمين قديماً اعتقد أن الأرض كروية الشكل وكانت الآية الكريمة “والأرض بعد ذلك دحاها” هي بمثابة قطع الشك باليقين.

وفي العصور المظلمة لأوروبا كان يعتقد بأن الأرض مسطحة ومن يقول غير ذلك يموت، حتى جاء جاليليو الذي حرق أمام الناس دفاعاً عن أفكاره بكروية الأرض، وبعد جاليليو بدأت الثورة العلمية في أوروبا لتبقى حتى يومنا هذا.

هوس الكوكبات والسدم والكوكب الأحمر

لم نكتفي فقط بالنظر إلى النجوم التمتع بمناظرها الخلابة، بل بدأنا بإطلاق الأسماء على مجموعات كبيرة من النجوم تستطيع رؤيتها بالعين المجردة، ومنها كوكبة الجبار والأسد والدب الأكبر وذات الكرسي والكثير … فالكوكبة هي مجموعة من النجوم تعطي شكلاً معيناً.

أما عن السديم فهو تجمع من الغازات تعطي أشكالا وألواناً رائعة تمكنها من مشاهدتها بواسطة المراصد العملاقة، ومنها سديم الجبار والنسر.

أيضاً لم يكتفي الإنسان بهذا القدر، فالكون لم يكشف أسراره بعد، فاتجهنا إلى مغادرة الكرة الأرضية بأنفسنا، فبدأنا بالمحطة الفضائية ورواد الفضاء منهم من قضى عام كامل في الفضاء بدون جاذبية لكم أن تتخيلوا !!، ولم ننتهي بعد فقد بدأ إيلون ماسك المهووس بالكوكب الأحمر (المريخ) بإطلاق الصواريخ المعاد استخدامها، حتى أطلق الصاروخ الأضخم على الإطلاق في محاولة منه لاصطياد حلم الوصول إلى المريخ وبناء مستعمرة للبشرية هناك، ليس فقط إيلون من يحلم بذلك، بل كل من له شغف في هذا العلم الواسع.

مرت قرون على البشرية وفي كل قرن نجد من يضع بصمة له في علم الفلك فاهتمام الحضارات به لم يكن من فراغ، والكون يوم عن يوم يكشف لنا شيئاً مما يخبأه في مداه اللانهائي.

انظر إلى السماء .. ووسع مداركك

لقد وصلنا إلى أرضنا التي حملتنا لآلاف السنين، والتي تكونت منذ ملايين السنين، تلك الرحلة التي خضناها مع كوننا العظيم لتكون الحياة على الأرض وليست كأي حياة لأنك إنسان يفكر وهذا ما يميزنا، عروقنا التي تسير فيها دماء مكونة من غبار النجوم، عيوننا التي تنظر إلى تلك المصابيح المعلقة في السماء التي لولا ظلام الليل لم تكن لامعة، عقولنا المليئة بالشغف لاستكشاف ماضينا ومستقبلنا، كل شيء مترابط بين الكون والإنسان كل هذا ستشعر به عندما ترفع رأسك للأعلى وتنظر إلى السماء المضيئة لتدرك حقيقة واحدة هو أننا هنا لنعمر الأرض.

حسني حاتم ابوشباك تخصص فيزياء – جامعة الازهر – غزة

https://www.facebook.com/hatemthaerr




الوسوم

أ./ حسني حاتم ابوشباك

تخصص فيزياء – جامعة الازهر – غزة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق