page contents
مقالات مجلة الفيزياء العصريةمواضيع العدد ٩

الذرة

الذرة

في سلسلة حلقاتنا هذه، وعلى صفحات مجلة الفيزياء العصرية الصادرة عن منتدى الفيزياء التعليمي، سنتكلم عن قصة أعظم اكتشاف علمي على الإطلاق … اكتشاف التنوع الكبير في المخلوقات والتناغم والتناسق في هذا الكون، اكتشاف أن كل شيء مكون من ذرات، وكيفية التفاعل فيما بينها، والقوانين الغامضة التي تحكمها. إنها قصة العلماء والعباقرة نفسهم، وقصة الصراعات والطموحات والأخطاء والنجاحات. لقد شغلت العلماء عبر القرون، إلا أنهم في النهاية تمكنوا من حل لغزها ووضع حجر الأساس للعلوم كافة.




سنبدأ بملخص بسيط عن بعض العلماء الذين كان لهم الفضل الأكبر في إبراز مفهوم الذرة عبر العصور:

500 ق.م  أناكساغوراس – بذرة نظرية الذرة  

450 ق. م إيمبيدوكلس– العناصر (تراب  هواء نار  ماء)

450 ق. م   ديموقريطس – الفضاءات المفتوحة بين الذرات  

322-384  ق. م أرسطو – رفض الفكرة السابقة  

1743-1794 لافوازيه– قانون انحفاظ الكتلة  

1766-1844 دالتون– مؤسس النظرية الذرية الحديثة وواضع قانون التناسبات المتعددة  

1880 – دالتون  نشر النظرية الذرية مقترحا وجود ذرات صغيرة لا تقبل الانقسام، وأن ذرات العنصر نفسه متماثلة بالوزن.

1896 طومسون– فكرة ذرة (( فطيرة الخوخ ))، الفطيرة الموجبة التي تحوي خوخا سالبا  

1905 إينشتاين– الورقة التي قلبت المفاهيم ( تفسير الحركة البروانية)

1906بلانك – نظرية الكم 

1909رذرفورد – تجارب جسيمة الفا (أجراها جايجر و مارسدن)   

1910رذرفورد – تنبأ بتفكك مدار الالكترون خلال  

1913 فرانك هيرتز –أنبوب الكمونات الحرجة و فكرة النواة المركزية الثقيلة التي تدور حولها الالكترونات في مدارات ثابتة. 

1913 بور – حل مسألة المسار الحلزوني للإلكترون، بتطبيق ميكانيك الكم، مبينا أن الالكترونات لا تمتلك إلا مدرات محددة محددة.

 1914بلانك – قال بإمكانية انتقال الالكترونات من سوية طاقة إلى أخرى بإصدار الإشعاع أو امتصاصه.

1919– اكتشاف البروتون.

1925باولي – مبدأ الاستبعاد لا يمكن وجود إلكترونين في ذرة واحدة في السوية الكمية نفسها 1932البوزيترون – أول جسيم من المادة المضادة، اكتشفه أندرسون. 

طبعا،ما من عالم إلا وله إسهامه في اكتشاف الذرة، إلا أننا اقتصرنا على ذكر البعض، وفي محطات زمنية مختلفة.

لقد كان اليونان منذ ما يزيد عن 2500 سنة، هم أول من اقترح أن الذرات هي جسيمات بالغة الصغر، ولكن داخل الذرة ظل مبهما حتى القرن التاسع عشر … في حلقاتنا هذه، سوف نبدأ تقريبا من منتصف القرن التاسع عشر وحتى بزوغ الصورة الواضحة للذرة.

 لننطلق الآن

أكتوبر 1906، قام العالم بولتزمان بشنق نفسه في غرفة بفندق بالقرب من تيرست بسبب مشكلات نفسية. لقد حطّ من قدره بسبب شيء نعتبره اليوم من المسلمات، كان يعتقد بأن المادة غير قابلة للانقسام إلى قطع أصغر من المالانهاية؛ أي أنه كان يحاول إثبات أن كل شيء مكون من جسيمات أولية.

يبدو أن الأمر لا يصدق ! لكن قبل أكثرمن 100 عام، كانت محاولة إثبات أن الذرات موجودة حقيقة، تعتبر مضيعة للوقت، مع أن الفلاسفة قد تكلموا بها منذ القدم كما رأينا. إلا أنه في منتصف القرن التاسع أصبح السؤال المهم هو: هل الذرة موجودة أم لا؟ والسبب في ذلك يعود إلى البخار. ستستغربون ذلك؛ لكن كما يقولون، الحاجة أم الاختراع، و جميعنا يعلم أن المكتشفات الحديثة و التطورات في العلم حاليا تكون بسبب دعم مادي تقدمه الشركات أو الدول للاستفادة منه. في ذلك الوقت، كانت هناك حاجة ماسة لصنع محركات بخارية أشد قوة وكفاءة، فكان لا بد من أن نفهم و نتنبأ بسلوك البخار والماء في درجات حرارة عالية، وضغوط مرتفعة، فالأمر ذو أهمية تجارية وعسكرية وحتى سياسية.

لقد أوضح بولتزمان والذين يساندونه، أنك لو تخيلت البخار على أنه يتكون من ملايين الكرات الصلبة الدقيقة (الذرات)، عندها يمكننا وضع بعض المعادلات الرياضية القوية، بحيث تكون قادرة على التنبؤ بسلوك البخار بدقة، إلا أن هذه المعادلات نفسها هي التي أقحمت بولتزمان ورفاقه في الجدل.

إن أعداءهم من العلماء قالوا: بما أن الذرات التي استندوا إليها في معادلاتهم الرياضية غير مرئية، فما هي إلا وسيلة رياضية للراحة والرضا عن النفس، بعيدة عن كونها أشياء فيزيائية حقيقية.(في ذلك الوقت كان ادعاؤك أن الأشياء التخيلية حقيقية يعد ضربا من الجنون وأمرا غير منطقي)، فقد اعتبروه انتهاكا للمقدسات أن تقلل من شأن خلق الله المعجز، إلى سلسلة من التصادمات بين كرات متناهية في الصغر. لقد اعتبر بولتزمان ماديا زنديقا…

المأساوية الساخرة في قصة بولتزمانهي أنه عندما انتحر في عام 1906، لم يكن يدري بأنه قد برّئ. فقبل أن يموت بسنة، قام عالم شاب بنشر ورقة يعلن فيها حقيقة الذرة بشكل لا يمكن إنكاره، ولا يقبل الجدل … إنه ألبرت أنشتاين (26 عاما).

1905: نشر أنشتاين ورقة بحثية حول كيفية تراقص حبوب اللقاح الصغيرة جدا في الماء.

في عام 1827، قام براون عالم نبات بنثر حبات اللقاح على الماء وبدلا من أن تطفو على الماء وجدها تطفو كما لو كانت حية (الحركة البراونية)، بقي اكتشاف براون لحوالي عام تقريبا، يعتبر من الشواذ العلمية التي لا يعرف عنها إلا القليل؛ على أية حال ما علاقة الاهتزازات بالذرات؟

إنشتاين غير كل شيء … الورقة التي قامت بكل التغيير…

لقد رأى أن اهتزاز حبات اللقاح في الماء يمكن أن يحسم الجدل العنيف حول حقيقة وجود الذرات.كان دليله: أن اهتزاز الحبوب لن يتم إلا إذا اصطدمت بذرات أخرى لذلك قال أن الماء لا بد أن يكون مكونا من جسيمات بالغة الصغر تشبه الذرات، وهي التي تقوم بالاهتزاز وبالاصطدام بحبات اللقاح، ولولا ذلك لبقيت الحبوب ساكنة. بالتالي كانت النتيجة لحدوث الحركة البراونية أنه لا بد من وجود الذرات، وأثبت ذلك بالمعادلات الرياضية الدقيقة، والتي تبين حجم الذرة التي يبلغ قطرها عشر جزء من مليون جزء من الميلمتر ( شعرة الإنسان يبلغ عرضها أكثر من مليون ذرة).

لقد تمت تبرئة بولتزمان عن طريق أنشتاين وانقلبت هنا الأمورفأصبح العلماء الذين يحاولون اثبات أن الذرة حقيقة هم أصحاب العقيدة الصحيحة…

من أين كانت البداية في هذه المرحلة ؟ تعالوا نرى!

معهد مانشستر مركز العالم في الفيزياء الذرية في ذلك الوقت، اثنان من أروع علماء العالمعملا 1910في قسم الفيزياء – جامعة مانشستر بين عامي 1911 – 1916، إنهما إرنست رذرفورد ونيلز بور.

رذرفورد كان ابن منطقة نائية في نيوزلاندا، ونشأ في مزرعة ريفية، أما بور فقد ولد في مدينة كوبنهاجن، ثريا، واسع المعرفة، إضافة إلى أنه كان من النبلاء.

رذرفورد كان تجريبيا إلى أبعد حد، حيث أحب التكنولوجيا وترتيب البطاريات والملفات والصخور المشعة ببراعة: كان يتمتع بحدس علمي رهيب؛ و على النقيض من ذلك كان بور نظريا لأبعد الحدود، فقد كان العلم بالنسبة له يتمثل في التفكير العميق والرياضيات البحتة، فقد كانت أدواته القلم والورقة والطباشير والسبورة، كما كان المنطق هو طريقه للحقيقة.

على الرغم من اختلافهما الواضح، إلا أن هدفهما كان واحدا ومحددا، لقد كانا من أكثر العقول التي أنجبتها البشرية استثنائية.

في 1907، تولى رذرفورد رئاسة قسم الفيزياء في جامعة مانشستر.

وقبل ذلك بـ 10 سنوات ظهرت في ألمانيا الأشعة التي تمكننا من الرؤية خلال الجسم لتظهر العظام كان يصعب تفسيرها ولم يعرفوا ماذا يسمونها فسموها أشعة إكس.

بعد ذلك بعدة سنين، اكتشف أن التيارات الكهربائية الشديدة يمكنها أن تطلق أشعة قوية متوهجة، أطلق عليها الالكترونات.

سنة 1896، اكتشف أن معدن اليورانيوم تنبعث منه طاقة قوية، سميت بالنشاط الإشعاعي، حيث كانت هذه المعادن دافئة الملمس، ويمكنها أن تحرق اليد، وتستطيع هذه الأشعة المرور عبر الأجسام الصلبة وكأنها غير موجودة.

ما يهمنا من ذلك أن رذرفورد كان قلقا جدا، فقد شغلت باله هذه الأشعة، وراح يسأل نفسه:

كيف نشأت؟ لماذا تظهر بصورة مختلفة؟ أي مدى تستطيع أن تقطع خلال الفراغ أو الهواء؟هل تحدث تغيرا في المواد التي تصطدم بها أم لا؟




الوسوم

‫2 تعليقات

  1. مشكور ين جدا على هذه المعلومات القيمة وهذا التسلسل التاريخي للتطور المعرفي للذرة وعلى اسلولكم المميز في الشرح ولكم كل الود والاحترام على ما تبذلونه من جهد في سبيل نشر المعرفه .
    انا من متابعيكم والمعجبين بمجلتكم حفظك الله ورعاكاستاذ الظكتور حازم وجميع الاساتذة والمهندسين الذين معك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق