page contents
مقالات مجلة الفيزياء العصريةمواضيع العدد ٢٣

أغنية من نار

تخيل معي ذلك الوحش الذي يحول مدينة كاملة إلى رماد في بضع ثواني، ذلك الوحش المسمى بالقنبلة النووية، نعم إنها بضعة أنوية من اليورانيوم تكمن في داخلها طاقة كفيلة في تحويل مدن إلى رماد (كأنها لم تكن موجودة من قبل)، إنها الثقب الأسود على الأرض، تستطيع ابتلاع مدينة بأكلما او حتى مدن بأكملها، فمن يمتلكها يقول للاخر أنا الأقوى وهكذا.. أنا دولة نووية سأحرق الجميع إذا لم يوافقوا على ما أريد بكل تلك البساطة!!




كان القرن الماضي هو قرن الفيزياء بكل امتياز، فظهر لنا فيه كثير من العباقرة لكن يبقى عازف الكمان علامة فارقة بينهم (اقصد اينشتاين)، لإسهاماته الكبيرة في جميع مجالات الفيزياء، والتي كانت من ضمنها الفيزياء النووية (التي أعشقها بالمناسبة).

ففي القرن الماضي حصلت الفيزياء النووية على نصيب الأسد من الاكتشافات والنظريات، لكن تبقى أشهر معادلة في تاريخ العلم (الطاقة تساوي الكتلة ضرب مربع سرعة الضوء) كانت من نصيب الفيزياء النووية، وكانت من عازف الكمان أيضاً.

عازف الكمان يعزف معزوفته الشهيرة

لنعود إلى عام الفيزياء التاريخي (عام اينشتاين) 1905 حيث نشر اينشتاين 5 ورقات بحثية، ومن ضمن تلك الورقات كانت ورقة توجد فيها المعادلة الأشهر في تاريخ العلم، معادلة تحول الكتلة إلى طاقة والطاقة إلى كتلة، ما هذا !! ما علاقة الكتلة بالطاقة؟

عندما وصل اينشتاين أن الضوء أسرع شيء في الكون، لا يمكن لشيء أن يتخطى سرعته، اقترح معضلة في عقله المليء بالتساؤلات، وتسائل ماذا يحدث للقطار الذي يتحرك بسرعة تساوي سرعة الضوء وأردنا إضافة طاقة إليه؟ نعم ماذا سيحدث؟، لن يتغير شيء بالطبع ستبقى السرعة كما هي لكن أين تذهب تلك الطاقة؟ وهنا اقترح أنها تتحول إلى كتلة إضافية للقطار (ماذا؟).

 

نشر ايشتاين البحث الخامس المتكون من 3 ورقات (أهم ثلاث ورقات في تاريخ العلم) يثبت فيها أنه يمكن تحويل الكتلة إلى طاقة والطاقة إلى كتلة، وبذلك فتح الافاق لدى العلماء للتفكير، بأنه كل شيء في هذا الكون يتكون من طاقة ويكمنها بداخله، تخيل معي قلم رصاص يكمن في داخله طاقة تعادل قنبلة نووية، لكن المشكلة كيف سنخرج هذه الطاقة؟ ومن هنا بدأت الفيزياء النووية.

مايتنر .. أن تعزف اللحن بطريقة أخرى

ليز مايتنر عالمة فيزيائية نمساوية ، عملت في مجال الفيزياء النووية هي والعالم الفيزيائي أوتو هاهن، كانا يعملان في المعمل نفسه (يشبههم العالم بالزوج بييار وماري كوري)، لكن أبت النازية أن تفرقهما، بدأت حياتها العملية في برلين بعدما سمح لها العبقري ماكس بلانك بحضور محاضراته ثم العمل في المعمل مع أوتو هاهن، اكتشفوا نظائر جديدة ونشرت بحثاً عن أشعة بيتا في عام 1909.

مع اكتشاف النيوترون بدأت عدة فرق بحثية في عدة دول العمل على إنتاج ذرة أثقل من اليورانيوم ومنها فريق رذرفورد في بريطانيا و هاهن-مايتنز المانيا و إنريكو فيرمي إيطاليا، لكن بوصول النازية للسلطة انتهت مدة إقامتها في ألمانيا وهربت إلى المانيا خوفاً من الإعدام.

استمر هاهن في تجاربه حتى أرسل إليها رسالة مفادها، أنه عند قذف اليورانيوم بالنيوترونات فإن الناتج يكون ذرة أخف (ذرة الراديوم) عكس ما كان يتوقعوه بأن بنتج ذرة أثقل، فطلبت منه إعادة التجربة فحصل على الباريوم وهو عنصر أخف من الراديوم (ماذا يحدث؟).

لم تكن مايتنر تعلم أنه هذه التجربة ستطرق بها أبواب المجد، فعند التفكير قليلاً في هذه التجربة، تخيلت وجود نواة عندما نزيد بها عدد النيوترونات فإن النواة سيزداد حجمها وستصل لمرحلة  لن تتحمل الزيادة بالحجم وتنقسم إلى نصفين ولكن !! ستخرج طاقة هائلة من الانقسام.

لكن كيف سنقوم بحساب الطاقة، وهنا لعب عازف الكمان دور المنقذ، نعم إنها معادلة اينشتاين تحول الكتلة إلى طاقة، فعند حساب كمية الطاقة وجدت أنها طاقة هائلة!

نشرت مايتنر المعزوفة الجديدة (الورقة البحثية) بإسم الانشطار النووي، ولكنها لم تحصل على نوبل بل هاهن هو من حصل عليها (بسبب الضغط الذي تعرض له من النازية)، وهنا طويت صفحة من التاريخ كانت وما زالت تسمى باسم مايتنر صاحبة الانشطار النووي.




الرجل البدين .. والطفل الصغير

إنهما اسمان لوحشين كانا كفيلين بتحويل مدينتي هيروشيما وناشازاكي إلى رماد.

في عام 1942 وفي غضون الحرب العالمية الأولى بدأ مشروع مانهاتن من الولايات المتحدة التي أكرهها لتصنيع القنبلة النووية الأولى بعد رسالة من اينشتاين، التي أعتذر عنها فقال لم أكن أعلم أنهم سيستخدموها بهذه الكيفية (شكرا لك يا البرت فقد تحولوا في ثواني إلى رماد)، وكانوا من المشاركين العالم الإيطالي فيرمي وكان المسؤول عن المشروع روبرت أوبنهايمر.

نجح المشروع في صناعة قنبلتين نوويتين يعملان بنظرية الانشطار الخاصة بمايتنر، وأثناء الحرب تم إلقائهما على اليابان فحولتا مدينتين إلى ركام ورماد.

بعد الحرب بدأت الدول بعمل مشاريع مثل مشروع مانهاتن لتصنيع قنابل نووية، وفعلا تم تصنيع أقوى قنبلة على وجه الأرض المسماة بقنبة القيصر أو كما يلقبها الروس (سنريكم قوتنا)، حيث تفوق قنبلة الرجل البدين ب 50 ألف مرة، تم إلقاء هذه القنبلة في القطب الشمالي ونتيجة الانفجار تولدت كرة نارية بقطر 5 أميال وارتفعت للسماء 6 أميال، لك أن تتخيل كمية الانفجار العظيمة، والاسوأ من هذا أن بإمكان روسيا صنع قنبلة أقوى من ذلك بكثير !! وبذلك أصبح مفهوم القوى في العالم هو القوة النووية.

عبد القادر خان .. أن يمتلك المسلمون القنبلة النووية

بالطبع لم يكن المسلمون يغردون خارج السرب، فتسلحت باكستان بالقنبلة النووية وذلك عن طريق عالمها العبقري عبد القادر خان، حيث جاء بفكرة لتخصيب اليوراينوم من 235 إلى 238 بطريقة أخرى وهي الطرد المركزي.

استطاع عبد القادر خان صنع جاهز الطرد المركزي وبذلك صناعة القنبلة النووية الباكستنية.

عانى خان في البدايات بعدما فرضت الولايات الميؤوس منها عقوبات على باكستان لأن جهاز الطرد المركزي أصبحت تمتلكه عدة دول مثل كوريا الشمالية وإيران، ونتيجة تلك العقوبات دخل خان في إقامة جبرية لمدة خمس سنوات، وأجبر على الاعتراف بأعماله في عام 2004 بمساعدته إيران وكوريا الشمالية، لكن في عام 2008 تم إطلاق سراحه وتراجع عن ذلك الاعتراف بل تفاخر بأنه عدو أمريكا الأول !! وفي هذا الصدد كوريا الشمالية كانت تستخدم الطريقة الأولى وهي تحويل البلوتونيوم إلى مواد إنشطارية حتى جاء خان وجهازه ، فأصبحت كوريا الشمالية قوة نووية يعقد معها اتفاقات.

وبما أن إسلام آباد تمتلك قنبلة نووية ولديها العبقري عبد القادر خان إذا فهي قوة عظمى في الشرق تهدد عرش الهند وأمريكا.

أغنية من نار

تخيل معي أن الهند وباكستان قررتا إندلاع الحرب بينهم، إنها كارثة بكل المقاييس لأن السلاح النووي لن يضر البلدين فقط بل العالم أجمع نتيجة الاشعاع النووي الذي سينتج من الانفجارات النووية.

وفي هذا الصدد أذكر لكم قصة مفاعل تشرنوبل في أوكرانيا والذي انفجر فكانت أكبر كارثة نووية شاهدها العالم، فهلعت السلطات الاوكرانية ببناء خرسانة مسلحة فوق المفاعل المدمر حتى لا تتسرب إشعاعات، وراح ضحيتها الكثير وكل من امتص جسمه شعاع نووية ودع الحياة فيما بعد نتيجة الإشعاع.

تخيل معي اندلاع حرب عالمية ثالثة بالتأكيد ستنتهي البشرية معها، لأنها حرب نووية بكل امتياز الجميع يتفاخر بما يملكه من أسلحة نووية والجميع يعلم أن استعمالها سيضر بالعالم بأسره.

وهنا أقف عند تلك المعادلة البسيطة التي لا تتخطي الثلاث حروف والتي غيرت نظرتنا للطاقة والكتلة، وكشفت لنا كم يمكن أن تمتلك كتلة صغيرة من طاقة هائلة، تلك المعادلة التي كتبها عازف الكمان اينشتاين لتحدث تغييرا كاملاً في ميزان القوى بين دول العالم، وباستخدام تلك المعادلة بطرق خاطئة قد يحول عالمنا إلى كتلة من نار عند تلك النقطة بالتحديد سيتغير اللحن إلى لحن من نار مكوناً أغنية من نار.

الوسوم

أ./ حسني حاتم ابوشباك

تخصص فيزياء – جامعة الازهر – غزة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق